غير مصنف

حين يضيء الفن ذاكرة عُمان قراءة في فعالية «ملامح عُمانية برؤية معاصرة» لفريق ارتقاء

د. منى بنت محمد القرطوبي

على مقربة من البحر في شاطئ الحافة بصلالة، وبين النخيل وإيقاع المكان المفتوح، اتخذت ملامح عُمان هيئة فنية تستوقف العين وتدعو إلى التأمل؛ أبواب تقليدية، وحصون، ومعالم عمرانية، وتفاصيل من البيئة العُمانية، وجدت مساحتها على أباجورات معلّقة داخل أطر خشبية لتلتقي ذاكرة المكان بلغة اللون والضوء.

جاءت فعالية «ملامح عُمانية برؤية معاصرة» بمشاركة فريق ارتقاء، انطلاقًا من فكرة الفنانة التشكيلية أنسام الجفري، ضمن فعاليات «أكتوبر العمران 2026». وقد احتضن سوق شاطئ الحافة، في الثاني والعشرين من أكتوبر، فعالية «ظفار.. نبني مستقبلها»، تحت رعاية الشيخ نايف بن حامد فاضل، رئيس غرفة تجارة وصناعة عُمان بمحافظة ظفار؛ لتجد هذه المشاركة الفنية موقعها في سياق يحتفي بالعمران وصلته بالإنسان والمكان.

تبدأ خصوصية التجربة من اختيار سطح الرسم نفسه؛ فالانحناء الذي تتخذه الأباجورة يمنح العمل امتدادًا بصريًا، ويتيح للعين اكتشاف تفاصيله من زوايا مختلفة. ومع تعليق القطع داخل الأطر الخشبية، تتجاور الرسوم في تكوين يجمع بين استقلال كل عمل وانتمائه إلى مشهد فني مشترك. ويضيف الضوء المحيط بها دفئًا ينسجم مع الألوان الترابية والخضراء، ويمنح التفاصيل المعمارية حضورًا محببًا في فضاء العرض.

في الأعمال التي تستحضر الأبواب والحصون، تبدو العمارة حاملةً لآثار الحياة؛ فالباب المرسوم يستدعي البيت ومن عبروا عتبته، والحصن يستحضر تاريخ المكان، فيما تصل النخلة بين البناء وبيئته. ومن هذا التجاور تنشأ حكاية بصرية عن سلطنة عمان تتآلف فيها تفاصيل العمران والطبيعة، وتكشف كيف تتشكّل هوية المكان من عناصر نألفها، ثم نعيد اكتشاف جمالها حين تمرّ عبر عين الفنان.

ويتّسع هذا الحضور ليشمل المعالم العُمانية الحديثة إلى جانب مفردات العمارة التقليدية، بما يتيح قراءة الهوية بوصفها تجربة ممتدة عبر الزمن. فالذاكرة العمرانية تتراكم، ويضيف كل عصر إليها معالمه وصوره. ومن هنا يكتسب عنوان «ملامح عُمانية برؤية معاصرة» دلالته؛ إذ تحتفظ الأعمال بصلتها بالمكان، فيما تختبر وسيلة جديدة لتقديمه والتفاعل معه.

كما أسهم اختيار شاطئ الحافة في تشكيل التجربة البصرية؛ فتتجاور الأباجورات المرسومة مع النخيل والبحر وعجلة الترفيه، في مشهد تتداخل فيه الطبيعة والعمران والفن. ويمنح العرض في هذا الفضاء المفتوح المارّة فرصة لقاء الأعمال أثناء تجوالهم، فتدخل التجربة الفنية في تفاصيل الحياة اليومية، وتصبح مشاهدة اللوحات جزءًا من اكتشاف المكان.

وتبرز قيمة الفكرة التي طرحتها الفنانة التشكيلية أنسام الجفري في هذه الصلة بين المألوف والابتكار؛ فالأباجورة، بوظيفتها المرتبطة بالضوء، تتحوّل إلى مساحة تحمل صورًا من الذاكرة العُمانية، وتستدعي النظر إليها من جديد. وقد أتاح تقديم الفكرة مع فريق ارتقاء تعدّد المعالجات والألوان والموضوعات ضمن إطار يجمعها، ويمنح المشاركة طابعها الجماعي.

وتفتح هذه التجربة بابًا للتأمل في دور الفن في تقريب التراث العمراني من الناس؛ فحين تنتقل تفاصيل الأبواب والحصون والمعالم إلى قطعة يمكن تخيّل حضورها في البيت، تنشأ صلة حميمة بين الإنسان وذاكرة المكان. ويغدو الفن وسيلة لاستمرار هذه الذاكرة في الذائقة والحياة اليومية، ومساحة تمنحها إمكانات جديدة للحضور.

في «ملامح عُمانية برؤية معاصرة»، تعلّقت صور سلطنة عمان داخل أطر خشبية، وحملت كل قطعة منها تفصيلًا يستحق التوقّف: بابًا، أو نخلة، أو معلمًا، أو لونًا يستدعي ألفة المكان. وبين هذه التفاصيل والضوء، وجدت الذاكرة العُمانية سبيلًا آخر إلى العين والقلب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى