بين عبق الماضي ولمسات الحداثة: الحِرفي خليفة الهادي يطوع الخشب ومخلفات النخيل برؤية هندسية
مسقط: التكوين
تستمد الصناعات الحِرفية في سلطنة عمان أصالتها من ارتباطها الوثيق ببيئتها الغنية وموروثها الحضاري العريق؛ غير أن استمرار هذه المهن وتوارثها عبر الأجيال يتطلبان وعياً فنياً يدمج روح التراث بمتطلبات العصر وأذواق اليوم. في هذا اللقاء، نحاور الحِرفي والمدرب خليفة بن سالم بن عامر الهادي، الذي اختار ألا تقف حرفته عند حدود التقليد المصمت، بل انطلق برؤية أكاديمية في التصميم الداخلي، مستثمراً خامات البيئة المحلية ومخلفات النخيل لإنتاج مشغولات تجمع بين الجمال والوظيفة المعاصرة.
بدايةً، نود أن تقرب القارئ أكثر من مسيرتك الحِرفية؟
خليفة بن سالم بن عامر الهادي، حِرفي ومدرب معتمد في مجال المشغولات الخشبية. تمتد مسيرتي في هذه الحرفة لأكثر من عشرين عاماً، مارست خلالها العمل اليدوي وشغف التطوير، إلى جانب تدريب المهتمين والناشئة على مهاراتها.
نلاحظ في معروضاتكم حضوراً لافتاً لقشور النارجيل وخامات البيئة البحرية كالصدف والمحار؛ ما الرؤية وراء هذا المزج؟
أميل بطبعي إلى التنويع ودمج عدة حِرف في منتج واحد؛ لمواكبة متطلبات الذائقة المعاصرة واستثمار خامات البيئة المحلية. وظفت مؤخراً قشور ثمار النارجيل في تطعيم المشغولات وصناعة المناديس (الصناديق العمانية التقليدية)، وهناك تجارب وأفكار ابتكارية مستمرة لتوظيف هذه العناصر البيئية برؤية متجددة.
هل شمل هذا التوجه خامات النخيل التقليدية كالزور والخوص والدعون؟
نعم بالتأكيد، قمت بالعمل على هذه الخامات كافة عبر مسيرتي. وتُعد إعادة تدوير هذه الموارد الطبيعية وتوظيفها أمراً بالغ الأهمية؛ لكونها خامات أصيلة، غير مكلفة، ومتاحة بوفرة، وتمنح القطع الحِرفية قيماً جمالية استثنائية عند إدماجها في المشغولات الخشبية.
يبرز في ركنكم التركيز على المناديس الصغيرة؛ ما السر وراء هذا التوجه مقارنة بالصناديق الكبيرة؟
المناديس الصغيرة تشهد إقبالاً واسعاً من الجمهور؛ إذ يفضلها كثيرون لاستخدامها كهدايا مميزة، أو لحفظ اللبان والقطع التذكارية الثمينة. أما المناديس ذات الأحجام الكبيرة، فإنتاجنا لها محكوم بنظام الطلب المسبق نظراً لتكلفتها العالية وحاجتها إلى وقت وجهد كبيرين في التنفيذ، واحتفظ عادة بقطعة أو اثنتين للعرض المباشر في المناسبات الخاصة.
كيف تقيّمون الحضور والمشاركة في المعارض والملتقيات التراثية محلياً وخارجياً؟
الحضور مميز وفاعل بحمد الله. تتيح لنا هذه التظاهرات منصة لتعريف الزوار والمؤسسات الرسمية والأفراد بقيمة المنتج الحِرفي العماني وجودته، خصوصاً في ظل وفرة المشغولات المستوردة بالأسواق، مما يجعل إبراز الهوية العمانية الأصيلة وصناعتنا الوطنية واجباً حِرفياً مستمراً.
المشغولات الخشبية تلتقي غالباً مع الفنون التشكيلية؛ هل تجد نفسك قريباً من هذا المجال؟
لست قريباً من مجالات الفنون التشكيلية كالرسم الحر، لكنني أعتمد أساساً على الأشكال والخطوط الهندسية. دراستي المتخصصة في الهندسة المعمارية والتصميم الداخلي تمنحني قدرة على ابتكار أشكال متناسقة وتطبيق الرؤى التصميمية بصورة عملية وسريعة في المشغولات الخشبية.
كيف ترون اهتمام الجيل الجديد بالصناعات الحِرفية والمشغولات التراثية؟
نلحظ إقبالاً متزايداً وتقديراً عالياً للمنتجات التراثية؛ فالناس باتوا يميلون إلى اقتناء ما يرتبط بجذورهم وهويتهم الوطنية، والحرص على اقتناء هذه المشغولات في تفاصيل حياتهم ومناسباتهم اليومية يزداد باضطراد.
أشرتم في البداية إلى مجال التدريب؛ ما مساهماتكم في نقل هذه الحرفة إلى الشباب؟
أحمل شهادة مدرب معتمد في مجال المشغولات الخشبية من المعهد العربي بدولة الكويت، وننفذ بالتعاون مع جهات حكومية وجمعيات أهلية ومدارس حلقات عمل تدريبية موجهة للطلبة والشباب؛ بهدف غرس هذه الحرفة ونقل مهاراتها إلى أجيال المستقبل.
