الثقافي

التسويف .. يُبدِّد العمر والأمل

صالح بن سعيد الحمداني

قبل فترة تطرّقتُ إلى موضوع الفشل والخوف منه باعتباره العائق الأكبر وعدو النجاح، وفي أحد الحوارات الثقافية خطَر ببالي موضوع آخر لا يقلّ أهمية عنه، واليوم سأعرج عليه وأتناوله من زاوية شخصية آملاً أن أصل إلى ما أطمح إليه.

يُقال إن «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك» ولكن كثيرون لا يدركون حقيقة هذه المقولة إلا بعد فوات الأوان، فمن أكثر الأزمات النفسية والسلوكية التي يعيشها الأفراد في مجتمعاتنا اليوم هي أزمة التسويف والتأجيل، ذلك المرض الخفي الذي يتسلل إلى حياتنا في هدوء فيُبدِّد أعمارنا وأحلامنا دون أن نشعر حتى نجد أنفسنا في مواجهة واقع مليء بالفرص الضائعة والطموحات المهدورة.

التسويف ليس مجرد عادة سيئة أو تكاسل عابر بل هو في جوهره مرض فكري يضرب جذور الطموح والإرادة، إنه ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس في آذاننا “لديك وقت لاحق أجل عملك إلى الغد”، وهكذا ومع كل تأجيل يتراكم العمل وتتبدّد الطاقة ليجد الفرد نفسه أسيراً لدائرة مفرغة من العجز والإحباط.

الأخطر من ذلك أن التسويف يلبس قناع الراحة المؤقتة فالمرء يظن أنه حين يؤجل مهمة صعبة أو قراراً مصيرياً يهرب من التوتر أو الضغط لكنه في الحقيقة يؤجل الألم إلى وقت لاحق حيث يصبح أكثر حدة وأشد وقعاً، وهنا تكمن خطورة التسويف راحة زائفة اليوم مقابل معاناة مضاعفة غداً.

الفرص لا تتكرر كثيراً بل قد يمر بعضها مرة واحدة في العمر لكن التسويف يجعلنا نتردد نتأخر وننتظر “الظروف المثالية” التي لا تأتي أبداً، فكم من طالب خسر مستقبله الدراسي لأنه أجّل مراجعة دروسه إلى ليلة الامتحان؟ وكم من موظف ظل عالقاً في وظيفته التقليدية لأنه أجّل تطوير نفسه أو خوض تجربة جديدة؟ وكم من رائد أعمال فاته قطار النجاح لأنه تردّد في تنفيذ فكرته بينما سبقه الآخرون؟

إن ضياع الفرص ليس مجرد فشل في إنجاز مهمة بل هو خسارة للزمن ذاته، والزمن هو رأس المال الحقيقي الذي لا يُعوَّض، فالمال يمكن أن يُسترد والصحة يمكن أن تُعالج إلى حد ما، أما الوقت فكل دقيقة تمضي لا تعود أبداً.

من المؤسف أن التسويف أصبح وباءً يفتك بقطاع واسع من الشباب اليوم فوسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية والمغريات الرقمية الكثيرة جعلت من السهل الهروب من الإنجاز الحقيقي إلى عوالم افتراضية تضيع فيها الساعات بلا مقابل، وهكذا ينمو جيل كامل على عادة التأجيل فتضعف قدراته على التحدي وتذبل طموحاته في زحمة الملهيات.

الشباب الذين يُفترض أن يكونوا قاطرة التغيير وبناة المستقبل قد يتحوّلون بسبب التسويف إلى أسرى التشتت والانتظار، يخططون كثيراً يحلمون كثيراً لكنهم لا يبدؤون فعلاً، وهنا يأتي الخطر الأكبر أن تتحوّل الأحلام إلى مجرد أوهام والطموحات إلى ذكريات لم تُترجم إلى واقع.

الطموح يحتاج إلى فعل والأمل يحتاج إلى خطوات، والتسويف يقطع هذا الخيط الرفيع بين الحلم والعمل وهو بمثابة الفأس الذي يحطم الأمل ويهدم الطموح من أساسه، فالمتفائل الذي يملك رؤية للمستقبل إذا استسلم للتأجيل سيتحول إلى إنسان عاجز يرى أحلامه تنهار أمامه دون أن يملك القوة لالتقاطها.

إنه أشبه بالظلام الذي يعمّ على حياة الناس يغطي عقولهم بالكسل ويغرقهم في بحر من الأعذار “ليس الآن” أو “لست مستعداً”، “سأبدأ غداً” وهكذا يصبح الغد مجرد سراب ولا يأتي اليوم المناسب أبداً.

التسويف ليس قدراً محتوماً بل عادة يمكن كسرها بالإرادة والوعي ولعل أبرز الخطوات العملية للتغلب عليه نجدها في تجزئة المهام الكبيرة، فالمهمة الضخمة قد ترعب الإنسان وتدفعه للتأجيل لكن تقسيمها إلى خطوات صغيرة يجعلها أسهل وأخف، ثم إن الالتزام بالوقت وتحديد مواعيد نهائية واقعية والالتزام بها بصرامة كأنها مواعيد لا تقبل التغيير، بعد ذلك تأتي إدارة المشتتات كإغلاق الهاتف أو تقليل وقت تصفح الشبكات الاجتماعية أثناء العمل.

وإن مكافأة الذات بمنح النفس حافزاً بعد إنجاز كل خطوة ولو بسيطاً يعزز الدافعية، بجانب تغيير طريقة التفكير وإدراك أن “اللحظة المثالية” لا وجود لها وأن أفضل وقت للبدء هو الآن وليس غدًا أو لاحقًا.

وإني أرى أجمل رسالة إلى نفسى أولًا ثم لكل متردد إن حياتنا ليست بروفة بل هي عرض واحد لا يتكرر والتسويف يأخذ منك أجمل فصولها قبل أن تدرك، لذا لا تنتظر أن تأتي اللحظة المثالية أو أن تتهيأ الظروف، فالفرص تمر كالسحاب إما أن تلتقطها أو تدعها تمضي إلى غير رجعة.

تذكّر أن أكبر ندم يعيشه الناس في أواخر حياتهم ليس على ما فعلوا بل على ما لم يفعلوا، على الأحلام التي لم يحاولوا تحقيقها والفرص التي لم يغتنموها فلا تجعل نفسك واحداً منهم.

ابدأ اليوم بل ابدأ الآن في هذه اللحظة ضع خطوتك الأولى صغيرة كانت أم كبيرة فالمهم أن تبدأ، اكسر قيود التسويف وستكتشف أن الطريق إلى النجاح لم يكن بعيداً كما كنت تتصور.

بهذا يتضح أن التسويف ليس مجرد عادة عابرة بل عدوّ خفي يُبدِّد العمر والأمل، ومواجهته تبدأ بالوعي بخطورته ثم التحرك بخطوات عملية لكسر دوائره المظلمة، فالوقت يمضي والفرص لا تنتظر والأحلام لا تعيش طويلاً في قلوب المترددين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى