الثقافي

أصالة الفقه وقيم التعايش: قراءة في القيمة العلمية لكتاب “إرشاد الطالب إلى فقه الإسلام”

صدر كتاب فقهي جديد يهدف إلى تيسير علوم الشريعة لطلاب العلم والمبتدئين، يحمل عنوان “إرشاد الطالب إلى فقه الإسلام – قسم الصلاة”، وضعه الشيخ أبو الطيب خلفان بن سليمان الطيواني الطائي. ويأتي هذا الإصدار مفرداً لرسالة الصلاة بعينها تلبيّةً للحاجة الملحة والطلب المتزايد من الدارسين في بداية طريقهم الفقهي للحصول على تبيان مستقل وشامل لأحكام الركن الثاني من أركان الإسلام.

تكمن القيمة العلمية الأبرز لهذا المؤلف في تبنيه منهجية تربوية واضحة العبارة وموجزة المعلومات، تبتعد عن التعقيد اللفظي الذي وسم العديد من المتون القديمة. وقد تميز الكتاب بتوظيف الصور والرسوم التوضيحية التي تعزز ترسيخ المعاني والأحكام في أذهان الناشئة وطالبي المعرفة، تفعيلاً للحكمة القائلة بأن الصورة تغني عن ألف كلمة. ولم يقتصر العمل على النقل المجرد، بل زاد فيه المؤلف أبواباً جديدة لم تكن متوفرة في طبعاته الماضية، بغية الوصول بالقارئ إلى التطبيق الدقيق للحديث النبوي الشريف: “صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي”

يتفرد الكتاب بإسقاطات تاريخية قيمة تربط الأحكام الفقهية بجذورها التاريخية العريقة، لا سيما ما يتعلق بإسلام أهل عُمان طواعية منذ السنة السادسة للهجرة، مسلطاً الضوء على قصة إسلام الصحابي مازن بن غضوبة الطائي، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملكي عُمان عبد وجيفر ابني الجلندى. كما يفرد مساحات سردية لبيان مواقف المروءة والوفاء لأهل عُمان وثباتهم على ديانتهم، مع استعراض الأدلة الحديثية والمواقف التاريخية المشرّفة، كرفض السيد برغش بن سعيد البوسعيدي سلطان زنجبار بدعة إنشاء المقامات المذهبية بجوار مقام إبراهيم عليه السلام في الحرم المكي الشريف تفادياً للتعصب الفكري والفرقة الدينية.

يفرد المصنف باباً كاملاً لمناقشة قيم التسامح والتعايش بين أبناء الأمة الإسلامية، مستشهداً بالردود الحاسمة لأئمة المذهب الإباضي الأوائل ضد نزعات الغلو ومقالات تكفير المسلمين. ويبرز الكتاب الموقف التاريخي للإمام عبد الله بن إباض في رده على نافع بن الأزرق، وتأكيده على حرمة دماء المخالفين وبيوت العبادة والمساجد، مستدلاً بشروحات أمهات الكتب الفقهية كـ “شرح النيل” للإمام قطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش، والتي تحظر هدم مساجد المخالفين أو التعدي عليها بأي حال من الأحوال، مما جعل المجتمعات التي تتبنى هذا الفكر محصنة ضد داء التفجير والنزعات الإرهابية عبر مختلف العصور.

ولم يغفل الشيخ أبو الطيب في مصنفه الجديد عن معالجة الأخطاء الشائعة واللحن الجلي الذي يقع فيه بعض المؤذنين والمصلين وتغييره للمعاني اللغوية، مثل مد ألف “أكبر” لتصبح “أكبار”، أو اللحن في ألفاظ “أشهد” و”الفلاح”. وفي سياق تربية الأبناء، يقدم الكتاب رؤية واعية في حث الأولياء على تدريب الصغار على الصلاة ومكافحة الانغماس المفرط في الألعاب الإلكترونية والهواتف الذكية من خلال غرس المداومة والصبر، مستشهداً بلطائف تاريخية من تأديب السلف لأبنائهم كصنيع القاضي شريح في حث ولده على إقامة العبادة وترك الملهيات.

يُذكر أن الكتاب متوفر حالياً لطلبة العلم والباحثين، وهو يمثل إضافة نوعية للمكتبة الإسلامية في مجالات التعليم الفقهي الميسر والمقرون بالالتزام بالأصالة ونبذ الابتداع في الدين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى