مدرسة جبرين: ثلاثة قرون ونصف من الإشعاع الحضاري والاعتراف الدولي
عبد العزيز بن عباس بن منصور الصبحي، عزاء بنت سالم بن سليمان الحبسي، علي بن سعيد بن سليم المطري

:لم يكن انبثاق دولة اليعاربة في عُمان عام 1624م مجرد حدث سياسي عابر في سجلات التاريخ المشرقي، أو حركة تحرر عسكري استهدفت طرد الغزاة البرتغاليين من السواحل العُمانية فحسب، بل كان في جوهره بمثابة “انبعاث حضاري” شامل أعاد صياغة الذات العُمانية على أسس متينة من القوة والسيادة والمعرفة (القاسمي، 2022). ففي الوقت الذي كانت فيه القوى الإقليمية تتصارع على النفوذ البحري، نجحت عُمان في تأسيس أول إمبراطورية بحرية في العصر الحديث، وامتدت تأثيراتها من موانئ الخليج العربي شمالاً وصولاً إلى سواحل أفريقيا الشرقية جنوباً.
إلا أن هذه السيادة العسكرية والتوسع الجغرافي لم يكن لينفك عن قاعدة فكرية صلبة تدعم أركان الدولة وتضمن استدامتها؛ فبينما كانت سيوف اليعاربة ومدافع أساطيلهم ترسم حدود الإمبراطورية، كانت عقول علمائهم تضع اللبنات الأولى لنهضة فكرية وعمرانية غير مسبوقة. وقد جعلت هذه النهضة من عُمان منارة علمية يقصدها القاصي والداني في قلب القرن السابع عشر الميلادي، محولةً القلاع والحصون التي كانت يوماً مخازن للبارود إلى دور للكتب ومحاريب للدرس والبحث العلمي (السالمي، 2012).
عهد الإمام بلعرب بن سلطان وإرساء قيم الاستقرار:
وفي هذا السياق التاريخي الحافل بالمنجزات، يبرز عهد الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي كفصل من أجمل فصول الاستقرار والازدهار في تاريخ عُمان الحديث. لقد شهدت هذه الفترة تراجعاً لضوضاء الحروب الخارجية لصالح ترانيم العلم وأصداء الفلسفة والأدب. وفي قلب واحة “بهلاء” الضاربة في القدم، وتحديداً في منطقة “جبرين”، ارتفع بناء حصنها الشهير عام 1675م، ليكون تجسيداً مادياً وفلسفياً لرؤية الإمام في حكم الدولة؛ حيث لا تنفصل السلطة عن المعرفة، ولا ينفصل الحصن عن المدرسة.
لقد أراد الإمام بلعرب أن يجعل من هذا الحصن “جامعة” علمية متكاملة تضاهي في نظامها ورصانتها الأكاديمية كبريات الحواضر العلمية في العالم الإسلامي آنذاك. وبالفعل، تحول الحصن من مجرد ثكنة دفاعية إلى مركز إشعاع حضاري استقطب كبار العلماء والفقهاء والشعراء، موفراً لهم بيئة خصبة للإبداع والبحث العلمي، وهو ما ميز الحقبة اليعربية عن غيرها بجعل المعرفة أساساً للحكم (الراجحي، 2015).
مدرسة جبرين: الريادة في التنظيم المؤسسي والأكاديمي:
إن حصن جبرين بمحرابه الفكري لم يكن مجرد بناء معماري مذهل بنقوشه وزخارفه، بل كان مختبراً حقيقياً انصهرت فيه علوم الدين بعلوم الدنيا. وبناءً على ما أثبته البحث العلمي الحديث، فإن مدرسة الإمام بلعرب في جبرين مثلت “طفرة نوعية” في تاريخ المؤسسات التعليمية العُمانية خلال القرن السابع عشر الميلادي (السالمي، 2020). فقد انتقلت العملية التعليمية في عهده من النمط التقليدي المعتمد على حلقات المساجد والكتاتيب البسيطة إلى نظام “الأكاديميات المتخصصة” ذات الهيكل الإداري والتعليمي المنظم.
لقد وفرت مدرسة جبرين نظاماً تعليمياً شاملاً لم يقتصر على علوم الشريعة واللغة العربية، بل امتد ليشمل علوم الفلك، والطب، والكيمياء، والرياضيات، والتاريخ (السالمي، 2020). وقد تميزت هذه المدرسة بتوفير “المنح التعليمية” والوقفية، حيث كان الإمام ينفق من ماله الخاص ومن أوقاف الدولة لضمان تفرغ الطلاب والعلماء للبحث والدرس، موفراً لهم السكن الداخلي اللائق والمكتبة التي حوت أنفس المخطوطات في شتى الفنون (السالمي، 2020). إن هذا التنظيم المؤسسي جعل من جبرين قبلة لطلاب العلم من مختلف الأقاليم، وخرجت جيلاً من العلماء الذين قادوا الحركة الفكرية والقضائية في عُمان لسنوات طويلة.
الفلسفة المعمارية والرمزية الحضارية للمدرسة:
إن العمارة الفنية لحصن جبرين لم تكن مجرد ترف جمالي، بل كانت لغة بصرية تعكس الرقي الفكري للدولة اليعربية. فالتمازج بين الزخارف النباتية والهندسية، والنصوص الشعرية المنقوشة على الأسقف الجبسية، كانت تعمل كرسائل صامتة تحث الطلاب على التأمل والارتقاء الروحي (القاسمي، 2022). إن تصميم القاعات الدراسية، مثل قاعة “الشمس والقمر”، روعي فيها توزيع الضوء والتهوية بما يتناسب مع جلسات العلم الطويلة، مما يعكس وعياً مبكراً ببيئة التعلم وأثرها النفسي على المتعلم (الراجحي، 2015).
إن استنطاق تاريخ مدرسة جبرين هو في حقيقته قراءة في سر القوة اليعربية؛ تلك القوة التي أدركت مبكراً أن السيادة التي تُبنى بالمدافع لا تستدام إلا بالعلم، وأن القلاع التي تحمي الحدود يجب أن تُسكن بالعقول التي تنير الوجود. ومن هنا، نلج إلى تفاصيل هذا الإرث الحضاري، مستلهمين من صفحات التاريخ كيف استطاعت جبرين أن تُخرج نخبة من المفكرين الذين صانوا الهوية الثقافية لعُمان وحفظوا توازنها الحضاري عبر العصور.
المواد التي تدرس في المدرسة:
لم تقتصر الدراسة في مدرسة حصن جبرين على المواد الشرعية وعلوم العربية، وإنما شملت المواد العلمية التطبيقية؛ كعلم الفلك، والطب، والكيمياء والرياضيات. فكانت هناك حلقة الفقه، وحلقة العقيدة، وحلقة النحو والبلاغة، وحلقة التاريخ، وحلقة الطب. ويتدرج الطالب في الحلقة الواحدة؛ فيبدأ بالمختصرات، ومن ذلك “مختصر البسيوي”، ثم الكتب المتوسطة وتسمى الجوامع كـ “جامع ابن بركة”، ثم الكتب المطولة كـ “منهج الطالبين”، وذلك تلبية لحاجة المجتمع حينها من العلوم التي كان يهتم بها، ومن ذلك علوم الطب، وخصوصاً التداوي بالأعشاب، الذي أُلِّفت فيه كتب عن كل نبتة وما يمكنها أن تعالجه من أمراض، ومن تلك الكتب: “كتاب الأزرق” الذي ألفه محمد بن ناصر بن سليمان، و”فاكهة ابن السبيل” للطبيب العُماني المشهور راشد بن عميرة الرستاقي، وغيرهما (السالمي وآخرون، 2020).
الأسس التي قامت عليها مدرسة جبرين:
قامت هذه المدرسة على مجموعة من الأسس التي جعلتها تتبوأ مكانة عالية، وتنال شهرة واسعة داخل عُمان وخارجها، ومن الأسس التي يمكن استخلاصها الآتي (السالمي وآخرون، 2020):
1. وضوح الهدف: فطلب العلم وتحصيله ركيزة أساسية من ركائز الدين الإسلامي، حث عليه الله تعالى في كثير من آيات القرآن الكريم، ويتجلى ذلك في أول آيات نزلت على الرسول عليه الصلاة والسلام، وهي قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]. ورغّب في السعي إليه الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – في كثير من الأحاديث الشريفة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَوَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) (سنن أبي داود، ص317). فبالعلم يُعبَد الله تعالى على بصيرة، وبه تعمر الأرض، كما أدرك الإمام بلعرب أن بناء الدول وتقدمها، وإقامة العدل فيها، يقومان على ركيزتين أساسيتين هما: العلم والمال؛ فحين تكون الدولة مزدهرة اقتصادياً، فلا بد أن يواكب ذلك ازدهار علمي.

2. حسن الإدارة: تولى الإمام بلعرب بنفسه زمام إدارة المدرسة، وأشرف على كل التفاصيل المتعلقة بالعملية التعليمية؛ ليتمكن من الوقوف على جوانب القوة فيدعمها، وجوانب الضعف فيعالجها، وبذلك يضمن تحقيق الأهداف المرجوة، والغايات المبتغاة.
3. مجانية التعليم: إن الظروف الاقتصادية للدولة مكنت الإمام من تحمل تكلفة التعليم، وهذا يعتبر من العوامل المهمة التي تشجع الطلبة على التعلم، والسعي في طلب العلم، وبذل الجهد في تحصيله، خصوصاً أولئك الذين لا تسمح لهم ظروفهم المادية بالتفرغ لطلب العلم.
4. الحرص على الجودة: وتمثل ذلك في حسن اختيار المعلمين الذين أُوكلت إليهم مهمة التعليم، ومما ساعد على اختيار الأكفاء منهم وجود الحوافز المادية؛ فالمدرسة تقدم لهم راتباً، وتوفر لهم المسكن والمأكل والمشرب، وتقدم حوافز للمجيدين منهم، فكان ذلك – إلى جانب إخلاصهم وحبهم لنشر العلم – دافعاً لهم للبذل والعطاء.
5. توفير بيئة تعليمية مناسبة: يعتبر هذا الأساس مهماً في العملية التعليمية؛ فمهما كانت الأهداف واضحة، والمواد الدراسية معدة بطريقة صحيحة، والطاقم التعليمي ذو كفاءة، لا يمكن أن تؤتي العملية التعليمية أكلها ما لم تتوافر بيئة تعليمية صالحة ومناسبة، وقد توافر هذا الأساس في مدرسة جبرين من حيث موقعها، وتوفير الاحتياجات التي تتطلبها.
6. مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين: ويتجلى ذلك في التدرج في عملية التعليم، فالطالب يبدأ في الدراسة من الكتب السهلة التي تسمى بالمختصرات، ثم المتوسطة التي يُطلق عليها الجوامع، ثم ينتقل إلى المطولات، وكل طالب يقطع هذه المستويات وفق طاقاته وقدراته.
7. التنوع في طرق التدريس: فالتنوع في طرق التدريس من العوامل الرئيسة لإنجاح عملية التعليم، لذلك نجد أن طرق التدريس قد تنوعت بين التلقين، والحوار، والمناظرات، وكذلك التعلم الذاتي الذي هو أساس لاستمرار التعلم؛ فالمعلم يوجه الطالب إلى مصادر المعرفة التي تساعده على الإجابة عن الأسئلة الموجهة، وتقديم الحجج والبراهين في بعض القضايا والمسائل العلمية المقدمة.
نظام التدريس في مدرسة جبرين:
تعد مدرسة حصن جبرين نموذجاً استثنائياً في التاريخ العُماني المعاصر والوسيط، حيث نجحت في إعادة صياغة مفهوم القلاع والحصون من معاقل عسكرية ودفاعية إلى منارات فكرية وجامعات متكاملة الأركان. لقد مثل تأسيس هذه المدرسة على يد الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي حجر الزاوية في النهضة العلمية التي شهدتها عُمان، حيث لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية تقليدية، بل كانت “بوتقة” انصهرت فيها المعارف الدينية بالعلوم التطبيقية.
ويكتسب نظام التدريس في مدرسة حصن جبرين أهمية أكاديمية بالغة نظراً لما اتسم به من مرونة تنظيمية وشمولية في المناهج؛ إذ تجاوزت الحلقات العلمية أطر العلوم الشرعية واللغوية لتمتد إلى آفاق الطب والفلك والكيمياء والرياضيات، في بيئة تعليمية محفزة جمعت بين عبقرية الهندسة المعمارية ورصانة المنهج العلمي. وباعتبارها واحدة من أوائل المؤسسات التي طبقت نظام “المدرسة الداخلية” بمعايير سبقت عصرها، فإن استعراض آليات التدريس فيها يتيح لنا فهم الكيفية التي أدارت بها عُمان نتاجها المعرفي واستقطبت من خلالها العلماء والطلبة من شتى الأقطار.
وكان نظام التدريس والتعليم في هذه المدرسة دقيقاً في اختيار المدرسين والاهتمام بهم، فكانت تُصرف لهم أجور من خلال بيت مال المسلمين من الوقف الخاص بمدرسة حصن جبرين. وركزت المدرسة في طريقة التدريس على تقسيم الطلبة في حلقات العلم حسب مستوياتهم وقدراتهم وميولهم، مما يدل على مراعاة المدرسة لخصائص المتعلمين وقدراتهم العقلية والنفسية (الخضوري، 2023).
ولقد قدمت مدرسة جبرين كل التسهيلات للطلبة من أجل التفرغ للتعلم مثل تقديم الطعام لهم والسكن، ومما ذكره الإمام نور الدين السالمي أن الإمام بلعرب كان بنفسه يقوم على خدمة الطلبة، إذ يعطرهم بنفسه، ويختار ما يفيدهم من أطعمة تعينهم على المذاكرة والفهم (السالمي والوهيبي، 2020).
وأثنى بادجر على الجهود التي قام بها الإمام بلعرب، إذ شبه المدرسة التي أقامها الإمام في حصن جبرين بكلية للدراسات يقوم فيها المتعلمون بدراسة أنواع مختلفة من العلوم كالتاريخ والطب والأدب وغيرها من العلوم (بادجر، 2012).
ومن الأسس العلمية والتربوية التي قامت عليها مدرسة جبرين كما يذكر السالمي (محسن) هي:
وضوح الهدف: باعتبار طلب العلم ركيزة أساسية من ركائز الدين الإسلامي وتقدم الدولة، فالعلم يترتب عليه عبادة الله بوعي وبصيرة وتعمير الأرض.
حسن الإدارة: إشراف الإمام بلعرب المباشر على تفاصيل العملية التعليمية لضمان جودتها وتحقيق أهدافها.
مجانية التعليم: تكفلت الدولة بتكاليف التعليم، مما أتاح للطلاب التفرغ التام للدراسة دون أعباء مالية.
الحرص على الجودة: اختيار أكفأ المعلمين ومنحهم حوافز مادية ومعنوية (سكن، رواتب، مأكل) من بيت مال الدولة أو من وقف المدرسة لضمان تفرغهم للإبداع التدريسي.
توفير البيئة المناسبة: تهيئة بيئة تعليمية متكاملة تشمل أهدافاً واضحة، ومواد دراسية صحيحة، وطاقماً تعليمياً كفؤاً.
مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين: التدرج في التعليم من الكتب المختصرة (للمبتدئين) إلى المتوسطة ثم المطولة، بما يتناسب مع قدرات كل طالب.
التنوع في طرق التدريس: الاعتماد على الحوار، والمناقشة، والمناظرة، والتعلم الذاتي بدلاً من التلقين، مع استخدام الوسائل العلمية المتاحة.
انعكاسات مدرسة حصن جبرين على الفكر العلمي في سلطنة عُمان ودورها في ازدهار النهضة العلمية:
تُعد مدرسة حصن جبرين بولاية بهلاء إحدى العلامات البارزة في تاريخ التعليم العُماني والعربي خلال القرن السابع عشر، إذ أسسها الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي بين عامَي 1680 و1692م لتجسيد رؤيته في نشر العلم وترسيخ الهوية الحضارية لعُمان في مرحلة ازدهار الإمامة اليعربية. وقد جاء إنشاؤها في سياق استراتيجي يعكس إدراك الإمام أن القوة السياسية والعسكرية لا تكتمل إلا بقاعدة معرفية راسخة؛ فبعد تحرير البلاد من السيطرة البرتغالية وتدفق الموارد على الدولة، وجّه جزءاً من هذا الرخاء نحو بناء مؤسسة تعليمية متكاملة داخل حصنه، استجابةً لنصيحة الشيخ عمر بن سعيد الجربي الذي حثه على الاهتمام بالعلم وبناء المدارس في حصون عُمان.
وقد شكلت هذه المدرسة نقطة تحول في مسار التعليم، إذ تجاوزت النمط التقليدي للكتاتيب والمساجد لتصبح بمثابة جامعة شاملة في عصرها. تنوعت مجالات التدريس فيها بين علوم الفقه والحديث والتفسير وأصول الدين وفق المذهب الإباضي، إلى جانب علوم اللغة والأدب والشعر، مما أتاح للطلاب تكويناً معرفياً موسوعياً نادراً. وأسهم هذا التنوع في ترسيخ المرجعية الفقهية وتعزيز الهوية الفكرية الإباضية، كما خرجت المدرسة نخبة من العلماء والقضاة والأدباء الذين تولوا إدارة الشأن الديني والقضائي وأسهموا في إثراء الحياة الثقافية في عُمان. وتشير المصادر إلى أن عدد من بلغوا درجة الاجتهاد في العلم والإفتاء ناهز خمسين عالماً، فضلاً عن الأدباء والشعراء الذين تركوا بصمة واضحة في المشهد الثقافي.
ولم يكن أثر المدرسة منفصلاً عن السياق السياسي؛ فقد جمع الإمام بلعرب بين القيادة السياسية والرعاية العلمية، ففتح مدارس نظامية في حواضر عُمان اقتدت بمدرسة جبرين، مما ساعد على انتشار التعليم خارج أسوار الحصن. كما أسهمت المدرسة في تشجيع حركة التأليف والتصنيف، وهو ما يظهر في غزارة المؤلفات الفقهية والأدبية والتاريخية التي أنتجها خريجوها وتلامذتهم.
وعلى الصعيد الحضاري، تجاوز إشعاع مدرسة جبرين حدود عُمان ليستقطب طلاباً من مختلف الدول العربية، مما رسخ حضورها في خارطة الفكر الإسلامي في القرن السابع عشر. وقد اعترفت منظمة اليونسكو بهذا الإرث عام 2023م حين أدرجت ذكرى مرور 350 عاماً على إنشاء حصن جبرين ضمن برنامجها للاحتفاء بالأحداث التاريخية العالمية، ليكون أول حدث عُماني يحظى بهذا الاعتراف الدولي. وهكذا تبقى مدرسة حصن جبرين شاهداً على أن النهضة العلمية في عُمان لم تكن وليدة الصدفة، بل ثمرة رؤية استراتيجية جمعت بين السيف والكتاب، وأسست لمرحلة حضارية متكاملة.
الصفوة العلمية وخريجو مدرسة جبرين:
لم تكن مدرسة حصن جبرين في عصر اليعاربة مجرد مكان لتلقي مبادئ القراءة والكتابة أو الحفظ التقليدي، بل كانت بمثابة “أكاديمية عليا” تُعنى بصناعة القيادات الفكرية والقضائية والأدبية للدولة. إن الرؤية التي وضعها الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي عند تأسيس هذا الصرح عام 1675م، كانت تهدف إلى إيجاد مركز ثقل علمي يجمع بين “أصالة العلوم الشرعية” و”حداثة العلوم التطبيقية والإنسانية” (السالمي، 2020). ومن هنا، فإن العلماء الذين تخرجوا من هذه المدرسة أو ارتبطوا بأروقتها لم يكونوا مجرد فقهاء، بل كانوا موسوعيين في معارفهم، يجمعون بين الأدب والفقه، وبين السياسة والعلوم الطبيعية.
لقد وفرت المدرسة لطلابها بيئة أكاديمية مثالية؛ حيث المكتبة الضخمة التي حوت أنفس المخطوطات، وحلقات النقاش التي كان يحضرها الإمام بنفسه، مما خلق حالة من “المناظرة العلمية المستمرة” التي صقلت عقول الخريجين (الراجحي، 2015). وقد تميز خريجو جبرين بصبغة خاصة عُرفت بـ “المدرسة اليعربية”، وهي مدرسة تمزج بين رصانة الطرح الفقهي وعذوبة البيان الأدبي، مما جعلهم يتولون أرفع المناصب في الدولة كقضاة، وولاة، ومستشارين للإمام.
إن استعراض سير هؤلاء الأعلام ليس مجرد سرد لتراجم شخصية، بل هو توثيق لنجاح “المؤسسة التعليمية المنظمة” في عُمان خلال القرن السابع عشر. فمن خلال هؤلاء الخريجين، استطاعت مدرسة جبرين أن تمد المجتمع العُماني بكفاءات علمية أدارت شؤون القضاء والوقف والتعليم لعدة عقود، بل وظل أثرهم الفكري ممتداً في المؤلفات التي تركوا خلفهم، والتي لا تزال تُدرس في حلقات العلم حتى يومنا هذا (السالمي، 2012).
أولاً: الشاعر راشد بن خميس الحبسي (ناظم خزانة الأدب):
يُعد الحبسي النموذج الأبرز لنجاح المنظومة التعليمية والاجتماعية في مدرسة جبرين، فهو الكفيف الذي قهر الظلمة بنور العلم في أروقة الحصن.
نشأته وتعليمه: ولد في بلدة “الروضة” بالمضيبي، وفقد بصره في سن مبكرة. كفله الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي، وأمر بضمه إلى مدرسة جبرين، حيث تلقى فيها علوم اللغة العربية، والنحو، والعروض، والفقه.
أعماله وإسهاماته:
- ديوان الحبسي: يُعد مرجعاً أدبياً وتاريخياً هائلاً؛ حيث وثق فيه أمجاد اليعاربة، وحروبهم، ومنجزاتهم العمرانية.
- التوثيق المعماري اشتهر الحبسي بقصائده التي وصف فيها حصن جبرين وصفاً دقيقاً، مما ساعد المؤرخين لاحقاً في فهم التقسيمات الداخلية للحصن واستخداماتها في ذلك العصر.
- المساجلات الأدبية: كان رائد المساجلات الشعرية في مجلس الإمام، مما أعطى للأدب العُماني طابعاً حيوياً متجدداً.
ثانياً: الشيخ العلامة خلف بن سنان الغافري:
يمثل الجيل الرصين من الفقهاء والقضاة الذين تخرجوا من مدرسة جبرين وتولوا زمام الأمور التشريعية في الدولة.
دوره العلمي: تلقى علومه العليا في مدرسة جبرين، وتخصص في فقه المعاملات والقضاء. عُرف بقوة الحجة والنزاهة، مما جعله مقرباً من السلطة السياسية (الإمامة) كمرجع فقهي (السالمي، 2012).
أعماله وإسهاماته:
- تولي القضاء: عينه الإمام بلعرب بن سلطان قاضياً، وكان يباشر أحكامه انطلاقاً من المبادئ التي تدارسها في مدرسة جبرين.
- الفتاوى الفقهية: ترك مجموعة من الفتاوى التي تعكس مرونة الفقه العُماني في عصر اليعاربة وقدرته على استيعاب مستجدات العصر، خاصة فيما يتعلق بشؤون الأوقاف وتنظيم المياه (الأفلاج).
ثالثاً: الشيخ بشير بن محمد بن بشير الحارثي:
أحد الأعلام الذين نهلوا من مكتبة جبرين وساهموا في نشر فكرها العلمي في المناطق العُمانية المختلفة.
دوره العلمي: اشتهر بتبحره في علوم اللغة والشريعة، وكان يمثل حلقة الوصل بين مدرسة جبرين وبين المراكز العلمية الأخرى في “إبراء” و”نزوى”.
أعماله وإسهاماته:
التعليم: بعد تخرجه، مارس مهنة التدريس، ناقلاً المنهج المنظم الذي تعلمه في جبرين إلى جيل جديد من الطلاب.
المخطوطات: ساهم في نسخ وحفظ العديد من الكتب العلمية التي كانت تزخر بها مكتبة حصن جبرين، مما ساعد في وصولها إلينا اليوم.
رابعاً: الإمام بلعرب بن سلطان (العالِم المؤسس):
رغم كونه حاكماً، إلا أن المصادر التاريخية (القاسمي، 2022) تضعه في مصاف العلماء الخريجين من مدرسته الخاصة، فقد كان هو المشرف والمناظر الأول.
إسهاماته العلمية:
- تأسيس المكتبة: جمع في حصن جبرين آلاف المجلدات في الطب، والفلك، والكيمياء، والشريعة.
- رعاية المنهج الموسوعي:** هو الذي أقر تدريس العلوم التطبيقية بجانب العلوم الشرعية، مما أخرج جيلاً لا يكتفي بعلم واحد، بل يلم بفنون شتى.
مقارنة بين مدرسة/حصن جبرين في عهد اليعاربة بسلطنة عُمان وجامعة القرويين في المغرب:
| وجه المقارنة | مدرسة حصن جبرين (عصر اليعاربة – عُمان) | جامعة القرويين (فاس – المغرب) |
| **النشأة** | تأسست في القرن 17م على يد الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي داخل حصن جبرين. | تأسست عام 859م على يد فاطمة الفهرية. |
| **الموقع** | ولاية بهلاء – محافظة الداخلية – سلطنة عُمان. | مدينة فاس – المغرب. |
| **السياق التاريخي** | ظهرت في العصر الذهبي لدولة اليعاربة. | ظهرت في العصر الإدريسي واستمرت عبر دول المغرب الإسلامي. |
| **الطبيعة المؤسسية** | مدرسة داخل حصن/قصر سياسي وتعليمي للإمام. | جامعة مستقلة متخصصة في التعليم الديني والعلمي. |
| **الهدف التعليمي** | نشر العلوم الشرعية والإدارة وتخريج القضاة والفقهاء ودعم الدولة. | تعليم شامل للعلوم الشرعية واللغة والرياضيات والفلك وغيرها. |
| **الدور السياسي** | مرتبطة مباشرة بمركز الحكم (الإمامة) وتخدم الدولة. | مستقلة نسبياً، لكنها أثرت في النخب العلمية والسياسية. |
| **النظام التعليمي** | تعليم غير رسمي نسبياً داخل القصر يعتمد على العلماء والمجالس العلمية. | نظام تعليمي منظم بمناهج وحلقات علمية مستمرة. |
| **المجالات العلمية** | الفقه، القضاء، الإدارة، العلوم الدينية. | الفقه، الحديث، اللغة، الطب، الفلك، الرياضيات عبر مراحل تاريخية. |
| **التأثير الحضاري** | تعزيز النهضة العلمية في عُمان خلال حكم اليعاربة. | تعد أقدم جامعة مستمرة في العالم وأثرت في العالم الإسلامي وأوروبا. |
| **الاستمرارية** | انتهت كمدرسة مع تراجع دولة اليعاربة. | مستمرة حتى اليوم كجامعة قائمة. |
المراجع:
أبو داود، سليمان بن الأشعث. سنن أبي داود. تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد. صيدا وبيروت: المكتبة العصرية. باب: الحث على طلب العلم، ج3، ص317، رقم الحديث (3641).
البраشدي، موسى بن سالم. (أكتوبر 2019). مدرسة جبرين زمن الإمام بلعرب بن سلطان (1090هـ/1679م – 1105هـ/1693م)*. المؤتمر الدولي الأول في التاريخ والحضارة الإسلامية (الحياة العلمية والفكرية والثقافية في العالم العربي بين القرنين 1-14هـ/7-20م)، الأردن: جامعة اليرموك.
الخضوري، طالب بن سيف بن سالم. (2023). الحياة الاقتصادية والاجتماعية في عمان في عهد اليعاربة 1034هـ/1624م – 1157هـ/1744م*. دار الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع.
الراجحي، سعيد بن عبد الله بن راشد. (2015). المؤسسات التربوية في زمن اليعاربة بسلطنة عمان: مدرسة حصن جبرين أنموذجاً”. *مجلة الدراسات التربوية والنفسية*، جامعة السلطان قابوس، المجلد (9)، العدد (3)، ص ص. 450-468.
السالمي، نور الدين عبد الله بن حميد. (2012). تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان*. مكتبة الاستقامة.
السالمي، محسن بن ناصر بن يوسف؛ البوسعيدي، خلفان بن سالم؛ الوهيبي، مسلم بن سالم بن علي؛ الصوافي، سعيد بن راشد. (ديسمبر 2020). “مدرسة الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي بحصن جبرين بسلطنة عمان القرن 17 الميلادي”. *مجلة القلزم العلمية*، العدد الخامس، السودان، ص ص. 181-183.

وتواكب اخبار تكوين ثقافة وفن هذا الإرث التاريخي العريق، لتسليط الضوء على مدرسة حصن جبرين التي شكلت طفرة أكاديمية وموسوعية في عهد اليعاربة، ونجحت في تحويل القلاع الدفاعية إلى منارات تعليمية تدمج علوم الدين بالطب والفلك.



