
صدر عن مؤسسة بيت الغشام للصحافة والنشر والإعلان كتاب بعنوان “النزار في ذاكرة الطفولة.. عبق المكان وعطر الزمان”، لمؤلفه الكاتب محمود بن إبراهيم بن سعيد البهلاني، ومراجعة الشيخ الدكتور يوسف بن إبراهيم بن سعيد السرحني.
يأتي الإصدار بمثابة توثيق إنساني وتاريخي دقيق، يتناول فيه المؤلف ملامح من ذكريات طفولته التي عاشها في حارة “النزار” الأثرية العريقة بولاية إزكي بمحافظة الداخلية، وتحديدًا في الفترة ما بين أواخر الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. ويسلط العمل الضوء على تفاصيل الحياة اليومية، والعلاقات الاجتماعية المترابطة، والعادات التراثية التي أسهمت في تشكيل ملامح وهوية المجتمع العُماني في ذلك الوقت.
يتألف الكتاب من عدة فصول وعناوين تستعرض عبقرية المكان هندسيًا واجتماعيًا؛ حيث يبدأ بتوضيح موقع حارة النزار وأصالتها التاريخية الممتدة إلى ما قبل ظهور الإسلام، مرورًا بطابعها المعماري الموحد والفريد الذي يضم أكثر من 300 بيت مبنية بنظام الطابقين المتناظرين. كما يفرد المؤلف مساحات للحديث عن “السور العظيم” وأبراجه الدفاعية المنيعة، و”صباحات النزار” الخمسة (البوابات الرئيسية للحارة) وعلى رأسها صباح قلعة السوق، بالإضافة إلى دقة هندسة الآبار وتنظيمها.
كما يعرج الكتاب على الأدوار الاقتصادية والعلمية للحارة؛ فيستحضر تاريخ “حصن إزكي” الشامخ، و”السوق القديم” باعتباره القلب النابض بالنشاط الاقتصادي والتجاري والاجتماعي وملتقى المعاملات والاتفاقيات. ومن الناحية العلمية، يبرز الإصدار مكانة النزار بوصفها منبعًا زاخراً بالعلماء والفقهاء والأعلام منذ الصدر الأول للإسلام، مسلطًا الضوء على الأدوار المعرفية والتربوية العريقة لـ “مسجد الحواري” ومدارس تعليم القرآن الكريم الصبيان.
وفي الجانب الإنساني والوجداني، ينقل البهلاني القارئ إلى عمق الحياة اليومية وتفاصيلها الحية؛ فيسرد حكايات عن نساء الحارة وصبرهن وعطائهن، وحِرف الرجال وصناعاتهم التقليدية، ودكان الجد الذي كان يمثل مجلسًا للألفة. كما يستذكر العادات الاجتماعية كـ “صباح العيد”، و”نومة السطح”، و”رمسة القمر”، والطقوس المرتبطة بالمواسم الزراعية التقليدية كموسم القمح “الدوس” وموسم “المبسلي” وجني التمور وتخزينها في “صفة النضيد”.
وقد اشتمل الكتاب على مراجعة وتقديم بقلم الشيخ الدكتور يوسف بن إبراهيم السرحني، وصف فيه العمل بأنه “كتيب يدل على قوة الارتباط بالمكان، وصدق التعلق بالماضي، وعمق تجذر ذكريات الطفولة، وينبع من أعماق قلب كاتبه”.
يُمثل هذا الإصدار دعوة ثقافية واجتماعية مخلصة يدعو من خلالها المؤلف إلى حفظ الهوية والتراث الحي قبل أن تتوارى تفاصيله في طيات الزمن، مشددًا على أهمية العناية بالمعالم التاريخية وترميمها لتبقى شاهدة للأجيال القادمة على عمق الجذور العمانية وأصالتها.




