
صدر حديثًا عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وبرعاية “مجموعة روشن”، كتاب «المُعجَمُ المُؤَصِّلُ لألفاظِ المرأةِ في التُّراثِ الشَّعبيِّ السُّعوديِّ»، في مجلدٍ يقع في 482 صفحة، ضمن إصدارات المركز المعنية بتوثيق الموروث الثقافي واللغوي في السعودية.
ويأتي هذا الإصدار بوصفه مشروعًا معجميًّا متخصصًا يسعى لرصد المفردات والتعبيرات المرتبطة بالمرأة في السياق الشعبي، وتأصيلها لغويًّا وثقافيًّا، في محاولة لقراءة حضور المرأة في الذاكرة الجمعية من خلال اللغة، بوصفها وعاءً حاملًا للتجربة الاجتماعية، ومرآةً تعكس تفاصيل الحياة اليومية وتحولاتها عبر الزمن.
وجاء في تقديم الكتاب لصاحبة السمو الملكي الأميرة هيفاء الفيصل، المشرفة على برنامج «دراسات المرأة» بالمركز، أن هذا العمل يمكن النظر إليه بوصفه «عالم المرأة السعودية مرتبًا ترتيبًا ألفبائيًّا»؛ إذ لا يقتصر على كونه معجمًا بالمعنى التقليدي، بل يتجاوز ذلك ليقدم صورة متكاملة لحياة المرأة السعودية، وتجربتها، ودورها في المجتمع، بوصفها عنصرًا فاعلًا في بنيته، ومكونًا رئيسًا من مكونات قوته واستمراره. كما يندرج هذا العمل ضمن الجهود الثقافية الرامية إلى ترسيخ الهوية الوطنية، والعناية باللغة العربية، وتعزيز حضورها في مختلف مجالات الحياة.
وتتوافق رعاية “مجموعة روشن” لهذا المعجم مع القيم الأساسية للمجموعة التي تهتم بالإنسان أولاً وبإلهام الأجيال، من خلال دعم الثقافة الوطنية وتمكين المرأة السعودية والاحتفاء بها لتسليط الضوء على الهوية المتفرّدة للمرأة السعودية. وبوصفها صانعةً للفَرْق، وراويةً للحكاية، وحارسةً للمعنى؛ ينظر المعجم إلى المفردات الشعبية لا بوصفها ألفاظًا من الماضي فحسب، بل شواهد حيّة على ثقافة صاغتها النساء السعوديات، واحتفظت بها الذاكرة الجماعية في تفاصيل اللبس والقول والاحتفال والعمل.
وأشارت الأستاذة الدكتورة دلال الحربي، رئيسة برنامج الأميرة هيفاء الفيصل لدراسات المرأة، والمشرفة على فريق المعجم، أن المعجم لا يكتفي بجمع الألفاظ وتوثيقها، بل يتجاوز ذلك إلى تحليلها في سياقاتها المختلفة، من خلال بيان أصولها، وتحديد جذورها، والكشف عن علاقتها باللغة العربية الفصحى، أو الإشارة إلى ما دخلها من تعريب أو توليد أو تأثيرات لهجية، بما يعكس حركة اللغة وتفاعلها مع محيطها الثقافي والاجتماعي.
وأضافت أن المعجم اعتمد ترتيبًا ألفبائيًّا للمداخل، تسهيلًا لعملية البحث، مع تقديم كل مدخل في بنية علمية تبدأ ببيان الجذر والأصالة، ثم شرح المعنى بإيجاز، وذكر مواضع الاستعمال الجغرافي، وصولًا إلى الشواهد اللغوية القديمة والحديثة، بما يمنح القارئ تصورًا متكاملًا للكلمة في بُعدَيْها اللغوي والثقافي.
وينطلق المعجم من تصور علمي واضح، يقوم على حصر المفردات الخاصة بالمرأة السعودية دون غيرها من الألفاظ المشتركة، مع تتبع استعمالاتها في مختلف مناطق المملكة، من وسطها إلى أطرافها، مرورًا بلهجاتها الحضرية والبدوية، وامتدادًا إلى بعض اللهجات المهددة بالاندثار، في محاولة لجمع هذا الرصيد اللغوي المتنوع ضمن إطار واحد، يكشف عن ثراء التجربة اللغوية وتعدد روافدها.
ويكشف هذا المنهج عن رؤية تتعامل مع اللغة بوصفها كائنًا حيًّا، يمتد عبر الزمن، ويتشكل بفعل التفاعل بين الإنسان وبيئته، حيث لا تنفصل مفردات المرأة السعودية عن سياقها الاجتماعي، بل تعكس أدوارها المتعددة في الحياة، من النشأة والتربية، إلى العمل والمسؤولية، مرورًا بالتعبير عن المشاعر والطقوس والعادات، وصولًا إلى حضورها في تفاصيل الجمال والزينة والاحتفاء.
وفي هذا السياق، تبدو مفردات المعجم أقرب إلى سجل حيّ لذاكرة المجتمع، حيث تتجلى فيها صورة المرأة السعودية بوصفها «وجه الحياة الجميل» وركيزة أساسية في بنائها، بما تحمله من دلالات تتصل بالقيم، والعلاقات، وأنماط العيش، وتطورها عبر مراحل مختلفة من التاريخ الاجتماعي في المملكة.
ومن جهة أخرى، يعكس هذا العمل وعيًا بأهمية الحفاظ على الموروث الثقافي غير المادي، من خلال استعادة المفردات التي قد تكون عرضة للاندثار، وإعادة تقديمها في سياق علمي معاصر، يتيح للباحثين والمهتمين الوقوف على دلالاتها، واستكشاف ما تحمله من معانٍ تتجاوز حدود اللغة إلى عمق التجربة الإنسانية.
ويُعَدُّ هذا المعجم إضافة نوعية للمكتبة العربية، ومرجعًا مهمًّا في مجالات الدراسات اللغوية والاجتماعية والثقافية؛ لما يوفره من مادة علمية موثقة، تجمع بين الدقة المنهجية والثراء المعرفي، وتفتح آفاقًا جديدة لدراسة اللغة بوصفها مدخلًا لفهم المجتمع وتحولاته.
ويأتي هذا الإصدار في سياق أعمال برنامج الأميرة هيفاء الفيصل لدراسات المرأة، الذي يعمل على بناء مرجعية علمية متميزة تُعنى بدراسة واقع المرأة السعودية، وتقديم المعطيات المرتبطة بها، بما يُسهم في إبراز صورتها وإسهاماتها في المجتمع، وتعزيز فهم قضاياها في ضوء التحولات التنموية ورؤية المملكة 2030 .
ويُعنى البرنامج بإجراء الدراسات العلمية المتخصصة، ومتابعة ما يُكتب عن المرأة السعودية محليًّا وعالميًّا، إلى جانب تنظيم المحاضرات وحلقات النقاش، وبناء قاعدة معلومات شاملة، بما يتيح تطوير المعرفة المرتبطة بالمرأة السعودية، ودعم السياسات والمبادرات المعنية بتمكينها على أسس علمية ومنهجية.



