الجمعية التاريخية العُمانية تحتضن محاضرة موسعة حول حضور عُمان في حضارات الشرق القديم
مسقط – سعيد النعماني

احتضنت الجمعية التاريخية العمانية محاضرة علمية قدّمتها الدكتورة ميمونة بنت حمد الهنائية، تناولت فيها الحضور التاريخي لعُمان في كتابات وحضارات الشرق القديم، ضمن طرحٍ علمي استند إلى النصوص المسمارية والنقوش الأثرية والقراءات المقارنة للمصادر التاريخية.
وفي مستهل الفعالية، أكد السيد نوح بن محمد البوسعيدي، رئيس الجمعية، في كلمته، أهمية استحضار البعد التاريخي لعُمان في الوعي المعاصر، مشيرًا إلى أن مثل هذه المحاضرات تسهم في إعادة قراءة التاريخ الوطني في ضوء الشواهد العلمية، وتعزز من حضور عُمان في خارطة الحضارات الإنسانية.
وتوسعت المحاضرة في عدة محاور رئيسة، جاء في مقدمتها استعراض اسم “مجان” في النصوص السومرية، حيث بيّنت المحاضِرة أن هذا الاسم ارتبط بدلالات اقتصادية وحضارية، إذ ورد في سياق الحديث عن الموارد الطبيعية، خصوصًا النحاس، وعن الدور البحري الذي اضطلعت به عُمان في شبكة التجارة القديمة.
كما تناولت نصوص “أنكي” السومرية، ولا سيما قصائد “أنكي وننخرساج” و”أنكي ونظام الكون”، موضحةً كيف ظهرت “مجان” ضمن هذه النصوص في سياق كوني وأساطيري، ما يعكس إدماجها في المخيال الديني والحضاري لبلاد الرافدين، وليس فقط في سجلات التجارة.
وتطرقت الهنائية إلى حضور “مجان” في الأدب الملحمي، مستعرضة إشارات في ملحمة جلجامش، إلى جانب نصوص رثاء سومر وأور، حيث وردت صور لسفن عظيمة وطرق بحرية بعيدة، ربطت بين وادي الرافدين وسواحل عُمان، في دلالة على عمق التواصل البحري والثقافي.
وأشارت إلى أن هذه النصوص، رغم طابعها الأدبي، تحمل في طياتها إشارات تاريخية مهمة، خصوصًا ما يتعلق بحركة السفن والتبادل التجاري، بما في ذلك نقل المعادن الثمينة والسلع الفاخرة.
وفي محور آخر، تناولت المحاضرة النقوش الفارسية القديمة في العهد الأخميني، خاصة في زمن داريوس الكبير وأخشوريوش الأول، حيث ورد اسم عُمان بصيغة “ماكا” و”ماككاش” و”مكاش”، مبينةً أن هذا التعدد يعكس تطور النطق واختلاف اللغات، مع ثبات الدلالة الجغرافية.
وأوضحت أن هذه النقوش، التي وُجدت في مواقع متعددة، تمثل دليلًا على إدماج عُمان ضمن المنظومة الإدارية والسياسية للإمبراطورية الأخمينية، إلى جانب استمرار دورها الاقتصادي.
كما استعرضت المحاضِرة النقوش العربية الجنوبية المكتوبة بخط المسند، والتي ورد فيها اسم عُمان بصيغ مختلفة، مثل “سأكلن”، مؤكدةً أن هذه النصوص تسهم في تتبع التحولات اللغوية والتاريخية لاسم عُمان عبر العصور، وتعكس علاقاتها مع جنوب الجزيرة العربية.
وأفردت المحاضرة مساحة واسعة للحديث عن السفن العُمانية القديمة، التي وردت في النصوص بوصفها سفنًا كبيرة تنقل الذهب والفضة والموارد الثمينة، مشيرة إلى أن موقع عُمان الاستراتيجي على بحر العرب مكّنها من لعب دور محوري في الربط بين حضارات وادي السند وبلاد الرافدين وشرق أفريقيا.
كما تطرقت إلى مصطلحات وردت في النصوص مثل “سفينة ماجليوم”، التي ارتبطت بالتجارة البعيدة، ما يعزز فرضية وجود أسطول بحري متقدم في تلك الحقبة.
وفي سياق متصل، تناولت المحاضرة بعض المظاهر الثقافية والدينية المرتبطة بتلك الحضارات، مثل تقديس الحيوان والكواكب، وربطت ذلك بالإطار العام للثقافات القديمة التي تفاعلت معها عُمان، سواء عبر التجارة أو الهجرة أو التبادل المعرفي.
وأكدت الهنائية أن التعامل مع هذه النصوص يتطلب قراءة نقدية تجمع بين الأدب والتاريخ، إذ لا يمكن فصل البعد الأسطوري عن الدلالات الواقعية، مشيرة إلى أن تكرار ذكر “مجان” في مصادر متعددة يعزز من مصداقية حضورها التاريخي.
واختُتمت المحاضرة بالتأكيد على أن ما ورد في النصوص المسمارية والنقوش القديمة يشكّل “بصمة تاريخية موثقة” لعُمان، داعية إلى مواصلة البحث العلمي في هذا المجال، وتعزيز الدراسات الأثرية التي تسهم في كشف مزيد من ملامح التاريخ العُماني العريق.




