احتفل الجميع بيوم المرأة في سلطنة عُمان، وامتلأت المنصات بعبارات الفخر، وتزيّنت المساحات بصورها ومنجزاتها، وتسابق كثيرون إلى نعتها بالقوة والعطاء والصبر؛ غير أن خلف هذا الاحتفاء يبرز سؤال يستحق أن نواجه به أنفسنا: هل قدّرناها حق قدرها؟ وهل أحسنّا معاشرتها؟ أم إن بعض ما نسطّره في العلن يناقض ما يجري خلف الأبواب المغلقة؟
ما قيمة أن يُمتدح حضور المرأة أمام الملأ، ثم يشحّ المرء على زوجته بكلمة طيبة؟ وما معنى أن تُكتب المقالات عن مكانة الأم، وهي ترقب اتصالًا يطمئن فؤادها؟ وكيف يتغنى أحدنا بقيمة المرأة، ثم يقلل من رأي أخته، أو يدفع ابنته إلى الخوف من مصارحته بما يختلج في صدرها؟
الاحتفال محمود، والاعتراف بما تبذله المرأة واجب؛ بيد أن الخلل يتسلل حين تغدو العبارات ستارًا يواري التقصير، وحين تُمنح في العالم الافتراضي ما تُحرم منه في واقعها: الاحترام، والإنصات، والأمان.
ثمة امرأة تطالع ما يكتبه زوجها عن الوفاء، وترجو لو تجد أثرًا له في تعامله اليومي. ترى إشادته بصبر النساء، في حين يغفل عن إرهاقها، ولا يسألها عما لاقته في يومها؛ يصفها أمام الحضور بأنها شريكة العمر، ثم يدعها وحدها تحتمل تفاصيل تلك الشراكة من تدبير البيت، وقلق التنشئة، وأعباء تتوارى عن الأنظار.
وهناك أمّ تُنشر صورتها مقرونة بأعذب الدعوات، وتمضي سائر أيامها في ترقب زيارة عابرة. وأخت يُفاخر بها في المحافل، ولا تجد عضدًا ساعة العسرة. وابنة يُقال لها إنها قرة العين، فلا تلقى أفقًا مطمئنًا للحديث، فتكتم لوعتها مخافة التعنيف واللوم.
كم يثقل على النفس أن يسمع المحيطون بالمرأة ثناءً باذخًا عليها، بينما لا يصل مسامعَها إلا الجفاء؛ وكم يضيق صدرها حين تُعامل تضحياتها بوصفها واجبًا مفروضًا لا يستوجب الشكر. بل قد ينقلب صبرها عند البعض مسوغًا للتمادي في إيذائها؛ ثقةً في تسامحها، أو مراهنةً على صمتها وحرصها على تماسك بيتها مهما كابدت.
بيد أن صمتها لا يدل على عافيتها، وتجاوزَها عن الخطأ لا يعني برء جراحها؛ فقد تمضي في يومها تبتسم لأبنائها وترعى شؤون بيتها، ثم تنفرد بنفسها لتطلق حزنًا لم يظفر بمن يستمع إليه.
إن التقدير الحق للمرأة يتجلى في صون كرامتها عند الخلاف، ومقاسمتها الأعباء ساعة المشقة، والإنصات لحديثها دون تهوين أو استخفاف؛ مثلما يتجلى في المبادرة إلى تصويب الخطأ، واحترام خياراتها، وكفالة حقها في الراحة والطموح والحياة الكريمة.
تستحق المرأة في سلطنة عُمان الاحتفاء بعلمها وعملها ومنجزها، وتستحق القدر ذاته من الإجلال في تفاصيل أيامها العادية، بعيدًا عن منصات التكريم وأضواء التصوير. وكرامتها لا ترتهن بما تبذله من عطاء؛ إذ تستحق حسن الرعاية في قوتها وضعفها، وفي قدرتها على البذل وحاجتها إلى المساندة على حد سواء.
فلنجعل هذه المناسبة موعدًا مع المحاسبة الصادقة: هل تحتاج أمهاتنا إلى مزيد من القرب؟ وهل تنتظر الزوجة اعتذارًا طال تأجيله؟ وهل ترجو الأخت موقفًا يشد أزرها؟ وهل توقن الابنة أن ملاذها الآمن يكمن في بيتها كلما خافت أو تعثرت؟
قبل أن نصوغ عبارات جديدة في تمجيد المرأة، لنجعل في واقعها ما يصدق هذا القول؛ فالكلمات التي تلهب الأكف تصفيقًا، لن تجبر خاطرًا كسره الجفاء خلف الجدران.
إن أصدق احتفاء بالمرأة أن تقرأ ما كتبناه عنها، فتبتسم؛ لأنها تحياه وتلمسه كل يوم.