وأنا أطّلع على رواية “جريبا”، استوقفتني عتبة الرواية التي تُعدّ النظرة الأولى للقارئ لما ترسله من إيحاء للمتلقي عن ماهية النص الذي أمامه. في رواية “جريبا”، يسود عتبةَ الغلاف اللونُ البنيّ الصحراويّ، ويتوسط الغلافَ شعرُ امرأةٍ ذو كثافةٍ عالية، يتلوّن باللون البنيّ أيضًا، وهو ما يجعل المتلقي لوهلةٍ يستشفّ أنّ أحداث الرواية تدور في منطقة صحراوية، إلا أنه سرعان ما يتلاشى هذا الوعي عندما يقع نظره على عتبة عنوان النص “جريبا”. والجريب—كما ورد في لسان العرب—: “مِكْيالٌ قَدْرُ أَرْبَعَةِ أَقْفِزَةٍ. والجَرِيبُ: قَدْرُ مَا يُزْرَعُ فِيهِ مِنَ الأَرْضِ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَا أَحْسَبُهُ عَرَبِيًّا؛ وَالجَمْعُ: أَجْرِبَةٌ وجُرْبَانٌ. وَقِيلَ: الجَرِيبُ المَزْرَعَةُ، عَنْ كُرَاعٍ، والجِرْبَةُ، بِالكَسْرِ: المَزْرَعَةُ”.
إذا نظرنا إلى المكان في رواية “جريبا” نجده مكانًا قرويًّا يجسد البيئة العُمانية البسيطة التي ارتبط بها، وكان مصدر رزقه؛ حيث مثّلت “جريبا” كينونة المجتمع التي صارع فيها الإنسان العُماني الحياة من أجل البقاء في حقبة من الزمن استطاعت الكاتبة استحضارها والإشارة إليها من خلال النص دون التصريح به؛ زمنٍ كانت قطعة أرض لا تتجاوز مساحتها بعض الأمتار كفيلة بضمان عيش رغيد بمفهومه الذي يتماشى مع تلك الحقبة الزمنية البائسة التي كابد فيها الإنسان العُماني الفقر والجوع، فكان امتلاكه لقطعة أرض بمثابة ثراء فعلي. فعلى لسان غابش—وهو إحدى الشخصيات الرئيسية—: “إن حقيقة عدم امتلاكنا لمزرعة كغيرنا من سكان جريبا تجعل مهام القيظ أكثر مشقة إلى حد كبير”. هنا تجسد الكاتبة قيمة امتلاك الأرض بالنسبة إلى العائلة العُمانية، فمن “لا يمتلك النخيل لن يكون له خيار إلا الهجرة وترك جريبا. لا شيء يجعلك متشبثًا بهذه الأرض سوى النخيل”. هذا الصراع من أجل البقاء هو الذي جعل الإنسان العُماني يقاسي أشد أنواع العذاب، ويذوق مرارة الصبر؛ فنجد الكاتبة في هذه الرواية تصوّر هذه المعاناة وتسلّط عليها الضوء في قالب يتناسب مع ظروف الحياة في الزمن الذي تشير إليه، متطرقةً إلى سفر أبي غابش إلى الكويت، على لسان غابش: “هذا ما يجعل أبي يتحمل الغربة والسفر والعمل مقابل بضعة قروش فقط كي يجمع المال الكافي لشراء النخيل”؛ لنستشف أن علاقة الإنسان العُماني بالمكان هي علاقة بقاء وفناء.
استخدمت الكاتبة وفاء في هذه الرواية تقنية الثنائية الضدية (الحياة والموت)، حيث نلمح ذلك من عتبة الرواية التي ترمز للصحراء وما تتصف به من وحشة وجفاف وافتقار لمظاهر الحياة، وبين العنوان الذي اختارته الكاتبة والذي بدوره يرمز للحياة والأرض الخصبة والمياه. وهذه التقنية يوظفها الكاتب للفت انتباه القارئ إلى أنه أمام نص غير مألوف يحوي بين طياته أسطورة شخصيات عجائبية وخارقة، يوصل بها الكاتب رسالةً فحواها ما عاناه المجتمع العُماني من فقر جعل الفقد أحد ملامحه، فحاول الهروب منه بتصوّر خيالات غير موجودة في عالمه الواقعي، فأخذ يصور لنفسه أنه يرى الأموات وأنهم غير موتى: “بمجرد أن أستلقي على ظهري يقابلني سقف بيتنا، وسط الظلام، ألمح ظلًّا لشخصين بحجمين مختلفين من بين فتحات السقف الطيني… ماه راية فوق السطح”. فهذا الاضطراب النفسي يؤكد لنا ما تعانيه الشخصيات إزاء الفقر والخوف من الفقد، وأنهم يصابون بالأمراض ويكون الشفاء منها عن طريق تقديم المعاذير والنذور: “عبالوه حبتي بنتش المربوشه داست بطن ولد الصروخ، وعليش ثلاث معاذير. من هين أجيب معاذير وبيتي ما طاحه السح شهرين من هين وأنا جايتنش من عمق برجولي، وبنتي في حضني؟”. نلحظ أن مسألة الحصول على الطعام والمال ترتبط بالعامل النفسي، فيكابد أفراد الأسرة جميعهم المعاناة، ويتشاطرون الحزن.
وللفناء دلالات؛ ومن دلالاته في هذه الرواية فقدُ “راية”، وهي الأخت الصغرى لغابش: “انطوت صفحة من حياتنا، وبدأت صفحة جديدة دون راية، ومن يومها تغير الكثير ولم تعد الأمور كما كانت”؛ فانزوت الأم ولم تختلط بنساء القرية، وحال الأب لا يقل عن حال الأم؛ فكان الجيران يذهبون لمواساته، إلا أنه كان لا يبدي أي ردة فعل، بل يظل منخرطًا في أعماله لجلب قوت يومه له ولمن تبقى من أسرته. يجسد هذا المشهد مرارة الفقد الآخر؛ حيث لم يكن فقد “راية” إلا امتدادًا لحزن سبقه وفاة الولدين اللذين فقدتهما أم غابش وهما: جمعة وبدر، والظروف الغامضة التي تسببت في وفاتهما، والقصص التي حيكت وراء وفاتهما بأن العم عبيد قبضهما “وقدمهما قربانًا للعجم الذي لا ينفك يطلب شخصًا واحدًا على الأقل كل أربع سنوات وربما أقل؛ تأكيدًا لولائه وضمانًا له”. لقد مهدت صدمة الفقد لانتشار مثل هذه الأفكار، فجعلت الخرافة أرضًا خصبة تتغذى عليها. لذلك نجد الشخصيات في الرواية تهرب من الفقد بتصوّر أن الأموات يعودون للحياة مرة أخرى، ونجد ذلك يتكرر مع أكثر من شخصية في هذه الرواية.
تُعدّ ثيمة البقاء والفناء من أبرز القضايا الحاضرة في رواية “جريبا” مقابل الفقد والحزن والأسى. ونجد الصراع من أجل البقاء يتجسد بدايةً من العنوان الذي يرمز للخصوبة والحياة، أضف إلى ذلك ما نجده في علاقة شيخة بغابش، وهما شخصيتان رئيسيتان حرّكتا الأحداث، وجسّدتا ثنائيًّا صارع الحياة في ظل ظروف قاسية؛ فنلمس الحب والانسجام والرغبة في الاستمرار والديمومة، والفرار من كل ما قد يؤثر في حياتهما سلبًا، وهو ما ختمت به الكاتبة روايتها حين لاذ غابش وشيخة بالفرار والخروج من “جريبا” مع أبنائهما، تاركين كل ما قد ينغص عيشهم؛ من صعوبة الحصول على قطعة أرض إلى ذكريات الموتى التي كانت تطارد غابش، متخذةً شيخة من وادي عدي أملًا جديدًا ترسمه لها ولغابش ولأبنائهما.
المراجع:
* ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ج 1، ط 3، 1414هـ، ص 260.
* وفاء المصلحي، جريبا، النادي الثقافي، مسقط، سلطنة عُمان، ط 1، 2026م.