غير مصنف

​سلامتنا … الأمانة التي تكاملت من أجلها الأدوار

حسين بن علي الدروشي

في بعض الصباحات، نمضي إلى وجهتنا ونحن لا نعلم أن بين تفاصيل يومنا العادية حكايةً تستحق أن نتوقف عندها، وأن خلف الأبواب التي نعبرها وجوهًا تعمل بإخلاص، وأيادي تنجز بصمت، وقلوبًا تجعل من خدمة الإنسان رسالةً لا تعرف التوقف.

كان صباحي في مجمع صور الصحي مختلفًا قليلًا؛ فقد قصدته لارتباطي بموعد في عيادة العيون. وما إن دخلت المجمع حتى استرعى انتباهي نشاط بعض الإخوة والأخوات من العاملين فيه، وهم يتحركون بهمة ويُعِدّون ركنًا داخله. لم تتضح لي حينها طبيعة الركن أو المناسبة التي أُقيم من أجلها، فآثرت الإسراع إلى عيادة العيون، رغبةً في إنجاز الفحوصات والأشعة قبل أن يشتد ازدحام المراجعين، فهذه العيادة، ما شاء الله، تستقبل المرضى منذ ساعات الصباح الأولى، حتى ليخيّل إليك أن بعض المراجعين يسبقون الطاقم الطبي إلى أبوابها، طلبًا للعلاج ورجاءً في الشفاء.

وهنا، لا يسعني إلا أن أرفع كلمة شكر صادقة إلى الطاقم الصحي في عيادة العيون، تقديرًا لما يبذلونه من جهد، وما يقدمونه من رعاية وخدمة للمرضى، في ظل توافد المراجعين وتعدد احتياجاتهم. فخلف كل موعد يُنجز، وفحص يُجرى، وابتسامة تُمنح لمريض قلق، عملٌ يستحق التقدير، ورسالة إنسانية تستحق أن تُروى.

أنهيت فحوصاتي وأشعتي بيسر، فخرجت من العيادة متجهًا نحو ذلك الركن الذي أثار فضولي منذ لحظة دخولي. وهناك، بدأت الحكاية تتضح أمامي؛ فقد كان ركنًا توعويًا أُقيم بمناسبة اليوم العالمي لخدمات التعقيم المركزي لعام 2026، الذي يُحتفى به خلال الفترة من 11 إلى 17 أكتوبر، للتعريف بأهمية هذا الجانب الحيوي في منظومة الرعاية الصحية.

كان المشهد جميلًا في بساطته وعميقًا في دلالته؛ ركنٌ تتوزع فيه اللوحات والمعلومات والأدوات التوضيحية، ويقف حوله عدد من زوار المجمع من المرضى والمراجعين، يستمعون باهتمام إلى الشرح الذي يقدمه القائمون عليه. لم يقتصر الأمر على عرض معلومات تخصصية، بل كان نافذةً تُطلّ بالناس على عالمٍ صحي يعمل خلف الكواليس، عالمٍ لا يراه كثيرون، مع أن سلامتهم ترتبط به ارتباطًا وثيقًا.

وقد أسعدني أن أصادف بين الحضور أبناءنا الطلبة من مدرسة الشراع، برفقة معلمتهم، وهم يتنقلون بين محتويات الركن، وينصتون إلى الشروحات، ويتعرفون على مراحل التعقيم المركزي وأهميته. كان حضورهم مشهدًا يستحق التأمل؛ فحين يلتقي التعليم بالصحة، وتخرج المعرفة من صفحات الكتب إلى واقع الحياة، تتسع مدارك أبنائنا، وتترسخ في نفوسهم ثقافة الوقاية، ويكبر وعيهم بأن المحافظة على الصحة مسؤولية تبدأ بالمعرفة، وتنضج بالممارسة.

وقد أتاح الركن للطلبة والزوار التعرف على بعض إجراءات التعامل مع الأدوات والمستلزمات الطبية، ومراحل التعقيم، ومؤشراته، وأهمية الالتزام بمعايير مكافحة العدوى والجودة والسلامة. وهي تفاصيل قد تبدو للبعض إجراءات فنية روتينية، لكنها في حقيقتها تمثل خطوط حماية أساسية تصون حياة المرضى، وتحفظ سلامة الممارسين الصحيين، وتدعم الثقة في الخدمات الصحية.

فالتعقيم يتجاوز أجهزة تعمل، أو أدوات تُنظّف، أو إجراءات تُنفّذ؛ بل هو عهدٌ متجدد بحماية الإنسان. هو عمل قد لا يجد صاحبه تصفيقًا، ولا يحظى دائمًا بالأضواء، لكنه حاضر في كل إجراء طبي آمن، وفي كل أداة تُستخدم بثقة، وفي كل مريض يتلقى رعايته وهو مطمئن إلى أن هناك من يعمل لأجل سلامته قبل أن يراه أو يعرف اسمه.

ومن هنا، فإن ما شاهدته في مجمع صور الصحي أعاد إلى ذهني حقيقةً مهمة: أن المؤسسات الصحية لا تنهض بالأطباء والممرضين وحدهم، على الرغم من مكانتهم ودورهم العظيم، بل تتكامل فيها أدوار تخصصات وكفاءات عديدة، يعمل بعضها في الواجهة، ويعمل بعضها الآخر خلفها، لكن الجميع يلتقون عند غاية واحدة؛ أن تكون صحة الإنسان أولوية، وسلامته أمانة، وكرامته أساسًا لكل خدمة تُقدَّم له.

ولأن الشكر من الوفاء، فإنني أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى وزارة الصحة، والمديرية العامة للخدمات الصحية بمحافظة جنوب الشرقية، وإدارة مجمع صور الصحي، وقسم التعقيم المركزي، وجميع الكوادر الصحية والإدارية والفنية، على جهودهم المخلصة في الارتقاء بالخدمات الصحية، وتعزيز الوعي المجتمعي، وإبراز أهمية التخصصات التي قد لا نراها كل يوم، لكنها تؤدي دورًا جوهريًا في حماية الأرواح.

كما أحيّي كل من أسهم في إعداد هذا الركن وتنظيمه وتقديم محتواه، وكل من حرص على تحويل مناسبة صحية عالمية إلى فرصة للتوعية والتعلم والتواصل مع المجتمع. والشكر موصول لأسرة مدرسة الشراع ومعلمتها التي اصطحبت الطلبة، في صورة جميلة من صور التكامل بين المؤسسات التعليمية والصحية، وغرس المعرفة في نفوس الأجيال من خلال التجربة والمشاهدة.

لقد دخلت مجمع صور الصحي ذلك الصباح من أجل موعد في عيادة العيون، وخرجت منه وأنا أحمل، إلى جانب الاطمئنان على صحتي، تقديرًا أعمق لجهود أناسٍ يعملون بصمت، ويتركون أثرهم في حياة الآخرين دون انتظار مقابل أو إشادة.

وهكذا علّمتني تلك الزيارة العابرة أن بعض الأماكن تمنحنا أكثر مما جئنا من أجله، وأن بعض المشاهد البسيطة تفتح أعيننا على معانٍ كبيرة؛ فالصحة تتعدى كونها خدمةً نتلقاها فحسب، بل هي منظومة متكاملة من الإخلاص والعلم والعمل، يقف خلفها رجال ونساء نذروا جهودهم لصون حياة الإنسان.

شكرًا لكل يدٍ تُعقّم لتحمي، ولكل عقلٍ يخطط ليمنع العدوى، ولكل قلبٍ يعمل ليمنح المريض طمأنينةً وأمانًا.

شكرًا لوزارة الصحة، وللمديرية العامة للخدمات الصحية بمحافظة جنوب الشرقية، ولمجمع صور الصحي، ولكل كوادره التي تجعل من العمل اليومي رسالةً إنسانية نبيلة.

فإن من يحمي الحياة لا يقتصر وجوده على غرفة العمليات، ومن يصنع الفرق لا يحمل بالضرورة سماعة طبيب؛ فهناك من يصون سلامتنا في صمت، ويمنحنا أسباب الثقة في كل خطوة من رحلتنا العلاجية.

ولهم جميعًا نقول: أنتم تعملون خلف الكواليس، لكن أثركم في حياة الإنسان يتقدم المشهد كله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى