غير مصنف

حين يصبح الغياب حضورًا

صالح بن سعيد الحمداني

تمضي الحياة بهدوء يشبه نسيم الليل حين يعبر مكانًا ساكنًا دون أن يُحدث جلبة، وتتعاقب الأيام سريعًا، تحمل معها مسرات وأحزانًا، وتفتح لنا أبوابًا جديدة قبل أن تُغلق أخرى. وفي الطريق نعبر وجوهًا كثيرة؛ نلتقي أشخاصًا يرافقوننا أمدًا وجيزًا، ثم تأخذهم مسارات الحياة بعيدًا، بينما يبقى بعضهم معنا بطريقة مختلفة؛ يستقرون في الذاكرة، ويتحول حضورهم إلى أثر عميق يصعب أن تمحوه السنون.

ثمة أشخاص لا يغادروننا حتى بعد رحيلهم؛ قد تتباعد المسافات، وتتغير المدن، وتتبدل تفاصيل العيش، وتمر أعوام طويلة دون لقاء، ومع ذلك يظل حضورهم جليًّا في أعماقنا. لقد ترك هؤلاء في أرواحنا ما يتجاوز الذكرى العابرة؛ تركوا موقفًا، أو كلمة، أو شعورًا، أو لحظة صادقة أعادت ترتيب ذواتنا من الداخل. ومع كرور الأيام، ينتقل حضورهم من وجود نراه بأعيننا إلى معنى نحمله في وجداننا.

قد ينسى المرء تفاصيل كثيرة من ماضيه؛ ينسى موعدًا تأخر عنه، أو حديثًا عابرًا، أو موقفًا لم يعد يحمل بعد سنوات أي أهمية، غير أن بعض المشاعر تملك قدرة فريدة على البقاء. وحين ترتبط الذكرى بإنسان ترك أثرًا حقيقيًا، تغدو الذاكرة أعمق من مجرد صور وأسماء؛ فنستحضر نبرة صوته، وطريقته في الحديث، وابتسامته، ونظراته، وربما نستعيد شعورنا ونحن إلى جانبه. ولهذا يظل أولئك الذين أحدثوا فارقًا جوهريًا في حياتنا قريبين منا مهما نأوا؛ قد تعجزنا استعادة أوقاتنا معهم، لكننا نستحضر أثرهم كلما لاح لنا عارض يشبه ما جمعنا بهم.

وحين يدور الحديث عن الإنجاز، تنصرف الأذهان غالبًا إلى المشروعات الكبرى التي تصفق لها الجماهير وتتناقلها الأنباء: مدينة تشاد، أو كشف علمي يغير مجرى البشرية، أو مؤلَّف يخلد في وجدان القراء. بيد أن الإنجاز الإنساني يتخذ أحيانًا سمة أكثر بساطة، مخلفًا أثرًا أبلغ مما نتوقع؛ فقد يتمثل في كلمة قيلت في أوانها لمن شارف على اليأس، أو يد امتدت بالعون حين ضاقت السبل، أو ابتسامة صادقة بثت في فؤاد منكسر قبسًا من أمل. وقد يتجسد في معلم آمن بطاقات تلميذ لم يرَ في نفسه ميزة، أو أب غرس في نفوس أبنائه فضيلة رافقتهم طوال مسيرتهم، أو صديق واسى في الشدائد دون استدعاء. هؤلاء قد لا يدركون ثقل ما صنعوه في مصائر غيرهم؛ عاشوا مواقفهم بتلقائية ومضوا في شؤونهم، في حين ظل صنيعهم ينمو في أفئدة من عايشوهم.

وهنا يبرز التساؤل: لمَ يخلد بعض الأشخاص في ذاكرتنا كل هذا المدى؟

تكمن الإجابة في عمق الأثر لا في امتداد الزمن؛ فقد يجاور المرء أناسًا أعوامًا مديدة ثم تتلاشى معالم تلك السنين مع الوقت، وفي المقابل تكفي لحظة صدق واحدة لتبقى شاخصة في الذاكرة عقودًا. فالشأن لا يقاس بعدد الأيام التي جمعتنا، بل بما أودعته في نفوسنا. والقلوب لا تحفظ كل من عبرها، إنما تستبقي من أسبغ عليها شعورًا متفردًا، وتعامل معها بنقاء، وأعطى بلا ترقب جزاء، ومضى تاركًا وراءه معنى يستحق البقاء. من هنا يغدو بعض الناس معالم مضيئة في دروبنا، نستدعيهم عند الحاجة إلى العزيمة، ونستأنس بكلماتهم إبان القرارات المصيرية، ونستحضر ثباتهم حين تشتد وطأة الطريق.

يمكن أن نتخيل الروح حاضرة واسعة الأرجاء، تمتد فيها المسالك، وتتوزع في جنباتها الدور والساحات، وبين تلك المعالم تشمخ قصور شادتها الذكريات؛ بنيانها من المواقف، وأبوابها من المودة، ونوافذها مشرعة على فصول العمر المختلفة. وفي هذه القصور يقيم أناس انتقتهم الذاكرة بعناية، لا يتطلب بقاؤهم حضورًا يوميًا؛ بل يكفي طيف يمر من الماضي، أو كلمة تشبه حديثهم، أو موقف يعيد ذكراهم، حتى تشرع الذاكرة رتاجها على مصراعيها، فنشعر بقربهم كما كانوا، وبأن السنين لم تقوَ على اقتلاعهم من أماكنهم في أعماقنا.

فكم من معلم بقيت توجيهاته حية في وجدان طلابه بعد انقضاء عهدهم بالفصول الدراسية؟ وكم من والدين رحلا عن الدنيا، وبقيت وصاياهما ورؤاهما تلهمان الأبناء في يومياتهم؟ وكم من رفيق عبر حياتنا برهة قصيرة، فترك أثرًا امتد أعوامًا؟ لكل منا روايته الخاصة مع هؤلاء؛ أسماء قد تبدو عادية لدى الآخرين، لكنها تنطوي على دلالات يتعذر إيضاحها بيسر؛ كأن يرتبط الاسم بعهد الطفولة، أو بمرحلة عسيرة، أو بقرار بدّل مسار العمر، أو بلحظة استشعر فيها المرء أنه مفهوم ومصان ومسنود.

ومع تقدم العمر، نتيقن أن الماديات—مهما تعاظمت قيمتها—تظل رهينة ظرفها المكاني والزماني؛ فالمال ينفد، والمناصب تزول، والشهرة تخبو، والجسد يفنى، أما المعنى الذي يغرسه الإنسان في وجدان سواه فيمتلك ديمومة مختلفة. من هنا تتجلى أهمية تدوين السير الإنسانية والاحتفاء بها؛ فالصحافة تتعدى رصد الوقائع والأرقام إلى كونها وعاءً لحفظ الذاكرة البشرية، وتوثيق التجارب التي تُبرز قيمة الإنسان لأخيه الإنسان. إن كثيرًا من الشخصيات الراسخة في ضمير المجتمعات لم تبلغ مكانتها بسلطان أو جاه، بل بمواقف صادقة، وبصمات ألهمت من عاصرها.

وحين تُروى هذه الحكايات، ينتقل الأثر من حيز التجربة الفردية إلى فضاء الذاكرة المشتركة؛ فتنهل منها الأجيال وتستلهم عبرها. فحكاية إنسان واحد قد تحرك مشاعر الجموع، وصنيع متواضع قد يفتح أمام قارئ نافذة يطل منها على أبعاد الوفاء والبذل والمحبة. نحن عاجزون عن وقف انسياب الأيام، ولا قبل لنا بحفظ من نحب إلى جوارنا على الدوام، فتلك سُنّة الحياة التي تدفعنا من طور إلى آخر؛ غير أننا نملك ما هو أعمق: أن نصون أثر الراحلين، وننزل ذكرياتهم المنزلة التي تليق بها في دواخلنا.

وثمة من يغادرون دنيانا فنرى حضورهم بعد الغياب أشد رسوخًا؛ تتبدل ملامحهم في الذاكرة لتغدو كلماتهم مراجع نهتدي بها، ومواقفهم دروسًا نقتفيها، وابتساماتهم ملاذ دفء نلوذ به كلما ألمت بنا وحشة. هؤلاء هم سكان قصور الروح؛ تسقط في حضرتهم قيود المسافات والسنوات، يسكنون حيزًا أعمق من الجغرافيا، ويحيون في ذاكرة لا تترقب موعدًا للقاء.

وفي نهاية المطاف، يرتبط الخلود الحقيقي للمرء بما غرسه في أفئدة الآخرين؛ فالأجساد تفنى، والأيام تدور، والأمكنة تتبدل، في حين يشق الأثر الصادق مساره إلى وجدان من وعوه. وهكذا، حين نستذكر أحبابًا احتجبوا عنا، نوقن أن الغياب قد يغير مظهر الحضور، غير أنه يعجز عن محو أثره؛ فبعض الغائبين لا يرحلون، بل ينتقلون من صخب العيش إلى مكان أكثر سكينة وعمقًا… إلى قصور الروح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى