غير مصنف

حين تسكن الذاكرة في تفاصيلنا: التراث الثقافي غير المادي

المهندسة/ وداد المعمرية

​ليست كل الكنوز ممّا تراه العين، ولا كل الثروات ممّا تقاس قيمته بالأرقام؛ فهناك ثروة تسكن في صوت راوٍ يستعيد حكايات الأجداد، وفي قصيدة شعبية تتناقلها الأجيال، وفي فنون تؤدّى في المناسبات، وعادات تعبّر عن الكرم والتكافل، ومعارف تراكمت عبر السنين حتى أصبحت جزءًا من ذاكرة المجتمع وهويته. ذلك هو التراث الثقافي غير المادي؛ ذاكرة حيّة لا تحفظ الماضي فحسب، بل تمنح الحاضر جذوره، والمستقبل ملامحه.

​ويأتي اليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي، الذي يوافق السابع عشر من أكتوبر، ليذكّرنا بأن صون التراث هو مسؤولية مستمرة تضمن بقاءه حاضرًا في حياة المجتمعات، وقادرًا على الانتقال من جيل إلى آخر.

​التراث هوية تُمارَس، لا ذاكرة تُستعاد فقط

​في سلطنة عمان، يتجلى التراث الثقافي غير المادي في صور متعددة تعكس ثراء المجتمع وتنوع بيئاته؛ من الفنون الشعبية والشعر العماني، إلى تقاليد المجالس والقهوة العمانية، وفنون الحرف التقليدية، والمعارف المرتبطة بالنخلة، وغيرها من الممارسات التي تحمل في تفاصيلها قيم الكرم، والانتماء، والتعاون، والاعتزاز بالهوية الوطنية.

​وقد حظيت عناصر متعددة من هذا التراث بالتسجيل لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وهو ما يعكس قيمتها الثقافية والإنسانية، ويؤكد أهمية الجهود المبذولة لصونها والتعريف بها عالميًا.

​غير أن القيمة الحقيقية للتراث لا تكمن في توثيقه أو تسجيله فحسب، بل في استمرار ممارسته، وفهم دلالاته، ونقل معارفه ومهاراته إلى الأجيال الجديدة؛ فالتراث الذي يبقى في السجلات دون أن يجد طريقه إلى حياة الناس قد يفقد جزءًا من روحه، مهما بلغت جودة توثيقه.

​من مسؤولية الحفظ إلى صناعة المستقبل

​في عصر تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتداخل فيه الثقافات، تبرز الحاجة إلى مقاربة متجددة لصون التراث، تجمع بين أصالته وأدوات العصر. فالتقنيات الرقمية، والمنصات الإعلامية، والأرشفة الإلكترونية، والتوثيق المرئي والصوتي، تتيح فرصًا واسعة لحفظ الروايات الشفوية، وتوثيق الفنون والممارسات التقليدية، وإيصالها إلى جمهور أوسع داخل سلطنة عمان وخارجها.

​لكن التكنولوجيا، مهما بلغت قدراتها، لا يمكن أن تحل محل الإنسان الذي يحمل التراث ويمارسه وينقله. لذلك، فإن الاستثمار في كبار السن، والرواة، والحرفيين، والفنانين الشعبيين، وإشراك الشباب في التوثيق والبحث والإنتاج الثقافي، يمثلان ركيزتين أساسيتين لضمان استدامة هذا الموروث.

​كما أن المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية مطالبة بتعزيز حضور التراث في البرامج والمبادرات والمحتوى المعاصر، بما يجعل الأجيال الجديدة شريكة في حمايته وتطوير طرق تقديمه، لا متلقية لمعلومات عن الماضي فحسب.

​التراث فرصة للتنمية أيضًا

​لا ينبغي النظر إلى التراث بوصفه قيمة رمزية فحسب؛ فهو قادر على الإسهام في التنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية من خلال دعم الحرفيين، وتنشيط السياحة الثقافية، وفتح آفاق للصناعات الإبداعية، وإيجاد فرص للمشروعات التي تستلهم الهوية المحلية وتقدمها بروح معاصرة.

​ويتطلب ذلك رؤية مؤسسية متكاملة تقوم على التوثيق، والتخطيط، والشراكة المجتمعية، وتربط المبادرات الثقافية بمستهدفات التنمية المستدامة، مع احترام خصوصية الموروث وأصحابه، وضمان ألا يؤدي استثماره إلى إفراغه من معانيه أو تحويله إلى سلعة تجارية عابرة.

​مسؤولية جيل يصون الماضي ويبني الغد

​إن الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي ينبغي أن يتجاوز الفعاليات الموسمية إلى عمل مستدام تتكامل فيه جهود المؤسسات والأفراد والمجتمعات، وتُمنح فيه المعرفة التقليدية مكانتها، ويُفتح المجال أمام البحث والابتكار لتقديمها للأجيال المقبلة.

​فكل حكاية لا تُروى، وكل فن لا يجد من يتعلمه، وكل معرفة لا تنتقل إلى جيل جديد، تمثل احتمالًا لفقدان جزء من ذاكرتنا المشتركة.

​إن صون التراث ليس عودة إلى الماضي، بل هو وعيٌ بقيمته واستثمارٌ في المستقبل؛ فالأمم التي تعرف جذورها تستطيع أن تنفتح على العالم بثقة، وأن تواكب التغيير دون أن تفقد ملامحها.

​فتراثنا ليس ما ورثناه من الأجداد فحسب، بل هو ما نحسن حفظه اليوم، وننقله غدًا، ونتركه أمانةً للأجيال القادمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى