العام

الابتكارات الزراعية: نموذج عماني يقتفي أثر الاقتصاد الدائري في قطاع الأمن الغذائي

التكوين؛ سعيد النعماني

​في ظل التحولات العالمية المتسارعة التي تفرضها تحديات الأمن الغذائي، والحاجة الملحة لتبني ممارسات مستدامة تخفف من وطأة التأثيرات البيئية، بدأت ملامح اقتصادٍ زراعي جديد تتشكل في سلطنة عُمان. في قلب هذا المشهد، تبرز شركة “الابتكارات الزراعية ش.م.م” كأحد أبرز النماذج الناشئة التي لم تكتفِ بدخول السوق، بل سعت إلى إعادة صياغة مفهوم الإنتاج الزراعي عبر بوابة “الاقتصاد الدائري”. هذه الشركة، التي تأسست في مارس من عام 2021، ككيان عائلي مملوك بالكامل لستة مستثمرين عمانيين، لم تكن مجرد إضافة عددية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بل جاءت لتردم فجوة نوعية في سوق يفتقر إلى التخصص في المنتجات العضوية وإعادة تدوير المخلفات الحيوية.

​إن فلسفة الشركة تنطلق من قناعة اقتصادية عميقة؛ مفادها أن المخلفات النباتية والحيوانية ليست عبئاً بيئياً يتطلب التخلص منه، بل هي “منجم” للموارد الإنتاجية التي يمكن استثمارها بطرق ذكية. ومن خلال مصنعها “دُبال” الكائن في مدائن صحار الصناعية، استطاعت الشركة بناء نموذج تشغيلي متكامل يعتمد على معالجة هذه المخلفات وتحويلها إلى مدخلات زراعية ذات قيمة اقتصادية عالية. هذا التوجه لا يسهم فقط في تحسين جودة التربة وتقليل الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الطرق التقليدية للتخلص من النفايات، بل يعزز أيضاً من استقلالية القطاع الزراعي المحلي عبر تقليل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية المستوردة، وهو هدف استراتيجي يتقاطع بشكل مباشر مع رؤية عُمان 2040.

​وعلى صعيد المنتج، نجحت الشركة في تطوير حزمة ابتكارية تعكس دقة فهمها لاحتياجات السوق والبيئة المحلية. ويأتي سماد “دُبال” الدودي كمنتج رائد في هذا المجال، حيث تُستخدم ديدان الأرض في عملية تحلل حيوي معقدة لتحويل المخلفات إلى سماد غني بالنيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، وهي العناصر الأساسية التي تضمن خصوبة التربة وقوتها الإنتاجية. ولا تتوقف القيمة المضافة عند هذا الحد؛ إذ يتميز هذا السماد بقدرته على تحسين بنية التربة واحتفاظها بالماء، وتوفير بيئة خصبة للكائنات الدقيقة النافعة التي تحمي النبات من الآفات والأمراض، مما يرفع من جودة المحصول وكميته في آن واحد.

​وفي سياق التنويع الاستراتيجي، قدمت الشركة “تربة أصايص دُبال”، وهي مزيج متوازن من محسنات التربة كالكوكوبيت والبيرلايت والبيتموس، مدعومة بالسماد الدودي، لتوفير حل مثالي للزراعة في البيئات المحدودة، سواء في المنازل أو المشاريع التجارية. ولم تغفل الشركة عن تكنولوجيا الحلول الحيوية، فطورت “محلول دُبال البكتيري” القائم على البكتيريا اللبنية والضوئية والخمائر، لتعزيز الامتصاص الغذائي للنبات، بالإضافة إلى “محلول بوكاشي الفواكه المعزز”، الذي يمثل تطبيقاً عملياً للاقتصاد الدائري عبر تحويل مخلفات الغذاء إلى محفزات قوية للإثمار والنمو الخضري، قادرة على منح النباتات قدرة أكبر على تحمل الظروف المناخية القاسية مثل الملوحة والحرارة والجفاف، وهي تحديات طبيعية تواجه الزراعة في منطقة الخليج بشكل مستمر.ومع هذه الانطلاقة القوية، لا تزال الشركة في مرحلة نمو حرجة تواجه فيها تحديات بنيوية وتشغيلية تتطلب معالجة دقيقة. تبرز محدودية السيولة النقدية وصعوبة الوصول إلى التمويل كأبرز العوائق التي تضغط على خطط التوسع في البنية التحتية، خاصة في مشروع مصنع “ثرى” الطموح الذي يستهدف التوسع في استخدام ذبابة الجندي الأسود لإنتاج البروتينات والأعلاف، وهو مشروع يمتلك القدرة على إحداث نقلة نوعية في قطاع الأعلاف الحيوانية. هذه العوائق المالية تتزامن مع تحديات تسويقية تتعلق بضعف الوعي المجتمعي العام بجدوى المنتجات العضوية؛ إذ لا يزال المزارع التقليدي يميل إلى الحلول الكيميائية الأرخص والأسرع في النتائج الظاهرية، مما يفرض على الشركة عبئاً إضافياً يتمثل في ضرورة إثبات المفهوم تجارياً على نطاق واسع لكسر الحاجز النفسي لدى المستهلكين.

​وعلاوة على ذلك، تواجه العمليات اليومية تحديات تشغيلية متمثلة في ارتفاع تكاليف المدخلات الأساسية من مياه وكهرباء وإيجارات في المناطق الصناعية، إضافة إلى ندرة الكوادر العمالية الماهرة القادرة على إدارة العمليات الحيوية المتقدمة بكفاءة عالية. إن هذه العوامل مجتمعة تضغط على التنافسية السعرية للمنتجات، مما يجعل من مسألة التوسع عملية موازنة دقيقة بين الطموح الابتكاري والواقع المالي القاسي. ومع ذلك، فإن رؤية الشركة لا تقف عند حدود الواقع الحالي، بل تمتد لتشمل خططاً مستقبلية لإنتاج الفحم الحيوي وخل الخشب والمبيدات العضوية، مما يعزز من سلسلة القيمة الزراعية للشركة وينوع مصادر دخلها بشكل يضمن الاستدامة المالية على المدى الطويل.

​إن آفاق النمو تبدو واعدة إذا ما تم تفعيل الشراكات الاستراتيجية مع القطاعات ذات الصلة. إن انفتاح الشركة على التعاون مع جهات مثل سوق “سلال” للخضروات والفواكه، وشركات المياه والألبان، يمثل مفتاحاً استراتيجياً لاختراق السوق. فمثل هذه التحالفات لا توفر قنوات تسويقية فحسب، بل يمكن أن تساهم في حل إشكالية إمدادات المخلفات العضوية من خلال نموذج “إدارة النفايات مقابل القيمة”، حيث تتولى الشركة التخلص من نفايات المنشآت الكبرى ومعالجتها، مما يوفر لها تدفقات نقدية مستمرة كشركة خدمات، بجانب مبيعاتها كشركة منتجات.

​وفي نظرة شاملة، يمكن القول إن “الابتكارات الزراعية” تمثل أكثر من مجرد مشروع تجاري؛ إنها “مختبر حيوي” للابتكار الزراعي في سلطنة عُمان. فقدرة الشركة على الصمود أمام تحديات السيولة والتشغيل، مع الاستمرار في طرح حلول تقنية متقدمة، تشير إلى وجود إدارة تمتلك نفساً طويلاً وفهماً عميقاً لتحولات السوق. إن نجاح هذه المؤسسة في التحول إلى لاعب إقليمي مؤثر يعتمد الآن على مدى قدرتها على تحويل التحديات التي تواجهها إلى فرص للتمويل والشراكة، ومدى جاهزية السوق والمشرع العماني لدعم هذا النمط من الاقتصاد الذي لا يسعى للنمو فحسب، بل يسعى لترك أثر بيئي إيجابي ومستدام للأجيال القادمة. إن مستقبل الشركة لا يتوقف على ما تنتجه من أسمدة أو محاليل، بل على قدرتها على بناء قصة نجاح ملهمة في مجال الاستدامة، تكون دليلاً عملياً لغيرها من الشركات الناشئة بأن الابتكار هو السبيل الوحيد للبقاء والنمو في اقتصاد المستقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى