هل تخيلت يوما أن يتنفس التاريخ في تفاصيل ممر، وتتحول الأنثروبولوجيا إلى قصة عشق مكتوبة بالورد والياسمين؟بعد عطلة مريحة ومستحقة، نعود اليوم بشغف متجدد إلى مقاعد العمل ومحاريب البحث في المتحف الوطني باردو. نعود لنستعد بكامل طاقتنا لخوض تجربة استثنائية وإطلاق مشروع علمي جديد، يهدف إلى نفض الغبار عن روائع تراثنا الثقافي وإبرازه للعالم.في هذا الفضاء الإثنوغرافي الساحر، لا أعبر عتبة الباب كمجرد باحثة، بل كعاشقة تسافر عبر الأزمان؛ حيث تتحول قاعات القصر ومجموعاته النادرة إلى مسرح حي تتماهى فيه روحي مع حكايات صناع الهوية وحملة الذاكرة الجزائرية.
عند عبور العتبة، تستقبلني المبخرة النحاسية الكبيرة وهي تتوسط بهو القصر جليلة، كأنها تنفث عبق الترحاب الأصيل في أرجائه. ومنها أخطو نحو غرفة نساء الجزائر العاصمة، ذلك الفضاء الحميمي الساحر الذي ينبض بالخصوصية الثقافية والجمالية للمرأة العاصمية؛ حيث أقتفي أثرها عبر خطوط الألبسة التقليدية التي تغزل حكاية ستر ووقار، وبريق الحلي التقليدية برمزيتها الضاربة في أعماق الانتماء.
وفي زوايا القصر، أستنشق عبق الماضي مع عادة تقطير الورد والزهر، حيث تقف آنية “القطار” النحاسية كشاهد صامت يحرس طقسا أنثويا لطالما عطر الحواضر، وتتكامل مع صدى مطارق الحرفيين في فضاءات النحاسيات المصقولة. ومن سحر الحواضر إلى أصالة العادات، أنتقل بين جدران المطبخ التي تفوح بأسرار الطهي الجزائري، ودفء وجلسات الحمام بطقوسه الاجتماعية، وصولا إلى المقهى التقليدي الذي يختزل روح الضيافة والفن، ويروي تاريخ التلاحم الإنساني حول فنجان قهوة عبق.أقف مبهورة كذلك أمام المخطوطات العتيقة لأتلمس فيها حكم الأجداد في الطب الشعبي والتداوي، بينما يعيدني تراث الطفل وألعابه المأثورة إلى عوالم البراءة الأولى.
إن شغفنا في هذا المشروع الجديد لا يتوقف عند حدود الماضي؛ بل يمتد لربط هذا الإرث الحي بالمناهج الدراسية، ليكون “باردو” الجسر المعرفي الذي ينقل قيم الهوية والتقاليد إلى أجيال الغد. فهل أنتم مستعدون لتشاركونا نبض هذه الرحلة وتكتشفوا أسرارها بعيوننا؟
