ختام ندوة “جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني” بعد ثلاثة أيام من البحث والتوثيق
التوصية بتوثيق الإرث التاريخي وتعزيز الاستثمار الثقافي والسياحي
أوصت ندوة “محافظة جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني”، في ختام أعمالها اليوم الأربعاء بولاية الرستاق، بتكثيف الجهود البحثية والأكاديمية لجمع المخطوطات والوثائق التاريخية وتحقيقها ونشرها، وإنشاء قواعد بيانات علمية وموسوعات متخصصة لتوثيق النتاج الفكري للمحافظة، إلى جانب توثيق الكتابات الصخرية رقميًا وحمايتها من الاندثار، وإجراء مسوحات ميدانية ومعمارية للمعالم الأثرية والحارات القديمة بالاعتماد على التقنيات الحديثة.
وأكدت التوصيات أهمية تعزيز الاستثمار التنموي والاقتصادي للمقومات الجغرافية والموارد المائية، وتنشيط السياحة الثقافية، والاستفادة من المواقع والشخصيات التاريخية العُمانية المدرجة في المنظمات الإقليمية والدولية، وتشجيع الدراسات الأكاديمية المتخصصة، فضلًا عن مواصلة الجهود في تسجيل الوثائق والمخطوطات الخاصة والروايات الشفوية؛ بما يسهم في صون الذاكرة الوطنية وتعزيز مشاركة المجتمع المحلي في مشروعات التنمية والاستدامة.
جاء ذلك خلال استعراض التوصيات الختامية للندوة، التي تلاها الدكتور طالب بن هلال الخضوري، في ختام أعمال الفعالية التي نظمتها هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بالتنسيق مع محافظة جنوب الباطنة، خلال الفترة من 26 إلى 28 أكتوبر 2026م، تحت رعاية سعادة المهندس مسعود بن سعيد الهاشمي، محافظ جنوب الباطنة، وبمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين من داخل سلطنة عُمان وخارجها؛ حيث شهدت تقديم 27 ورقة عمل وبحثًا علميًا تناولت الجوانب التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمحافظة.
حفل الختام وتكريم الباحثين والمشاركين
تضمن حفل الختام كلمة لسعادة الدكتور حمد بن محمد الضوياني، رئيس هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، إلى جانب كلمة المشاركين التي ألقاها الدكتور هيثم بن أحمد بن سليمان السالمي، مؤكدًا فيها المكانة التاريخية والحضارية لمحافظة جنوب الباطنة، وما اضطلعت به من أدوار سياسية وعلمية وثقافية واقتصادية عبر مختلف الحقب التاريخية.
وأوضح الدكتور هيثم السالمي أن المحافظة شكلت عبر تاريخها مركزًا للعلم والتجارة والتواصل الحضاري، وأن الأوراق العلمية المقدمة كشفت عن جوانب مضيئة من إرثها التاريخي استنادًا إلى الوثائق والمصادر التاريخية، مشددًا على أهمية استلهام المنجزات الحضارية العُمانية في ترسيخ الهوية الوطنية ودعم مسيرة التنمية.
الجلسة العلمية الأولى: الذاكرة الشعرية واللغوية والتراث العمراني
شهد اليوم الختامي عقد جلستين علميتين قُدمت خلالهما تسع أوراق عمل، تناولت جوانب من التاريخ الأدبي واللغوي والثقافي والوثائقي لمحافظة جنوب الباطنة، ودور المواقع التاريخية والمؤسسات العلمية والأوقاف في حفظ الذاكرة الوطنية.
واستهلت أعمال اليوم الثالث بالجلسة العلمية الأولى، برئاسة الدكتور سليمان بن عمير المحذوري، متضمنة خمس أوراق عمل تناولت حضور الرستاق في الشعر العُماني، والتنوع اللغوي، وتمثلات المكان في التراجم الأدبية، والمواقع والشخصيات العُمانية المدرجة في قوائم المنظمات الإقليمية والدولية، إضافة إلى إمكانات توظيف الحارات التاريخية في السياحة التراثية.
وقدمت الدكتورة فوزية بنت سيف الفهدية ورقة بعنوان “الرستاق في الذاكرة الشعرية العُمانية في عصر دولة اليعاربة: دلالات المكان والسلطة والعلم”، تطرقت فيها إلى حضور الرستاق في الشعر العُماني إبان عصر اليعاربة، وما ارتبط بها من تحولات سياسية وعسكرية وثقافية، ولا سيما بعد اتخاذ الإمام ناصر بن مرشد اليعربي الرستاق مركزًا للحكم ومنطلقًا لتوحيد عُمان ومقاومة الوجود البرتغالي، مبرزة الدلالات الحضارية للمكان في النصوص الأدبية.
وفي ورقة بعنوان “الخصائص اللغوية للهجات محافظة جنوب الباطنة في ضوء التنوع اللهجي العُماني: دراسة وصفية مقارنة”، استعرض الدكتور عامر بن أزاد الكثيري الخصائص اللغوية للهجات المحافظة عبر دراسة ميدانية شملت لهجات الرستاق ونخل والعوابي ووادي المعاول، ومقارنتها باللهجات العُمانية المجاورة؛ للكشف عن مظاهر التشابه والاختلاف وأثر الجغرافيا والتواصل التاريخي في تشكيل التنوع اللغوي.
كما تناولت الدكتورة شيخة بنت عبدالله المنذرية في ورقتها “تمثلات النسق المكاني لمحافظة جنوب الباطنة في التراجم الأدبية العُمانية: كتاب شقائق النعمان أنموذجًا”، صورة المحافظة في كتاب “شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عُمان” للشيخ محمد بن راشد الخصيبي، وما تحمله تراجم الشعراء ونصوصهم من أبعاد جغرافية وتاريخية وثقافية تحفظ الذاكرة المكانية.
وفي السياق الثقافي والتنموي، طرح الدكتور يونس بن جميل النعماني ورقة بعنوان “المواقع والشخصيات العُمانية المدرجة في المنظمات الإقليمية والدولية: قراءة تحليلية في الأبعاد الثقافية والاقتصادية”، متناولًا حضور المواقع والشخصيات العُمانية المرتبطة بمحافظة جنوب الباطنة ضمن قوائم منظمات التربية والثقافة والعلوم، وأثر هذا الحضور في التعريف بالإرث الثقافي العُماني وفتح آفاق الاستثمار الثقافي والسياحي.
واختُتمت الجلسة الأولى بورقة لمريم بنت صالح السعدي بعنوان “الحارات التاريخية في سلطنة عُمان وإمكانات توظيفها في السياحة التراثية: حارتا بيت القرن وقصرى أنموذجًا”، بينت فيها القيمة التاريخية والمعمارية للحارتين بولاية الرستاق، وخصائصهما العمرانية، ومسارات إعادة تأهيلهما وإدراجهما ضمن المسارات السياحية والثقافية؛ خدمةً للتراث العمراني وتنشيطًا للسياحة المستدامة.
الجلسة العلمية الثانية: الصحافة والمخطوطات والأوقاف في توثيق الذاكرة الوطنية
تواصل البرنامج العلمي بانعقاد الجلسة الثانية، برئاسة الدكتورة خلود بنت حمدان الخاطرية، وشهدت تقديم أربع أوراق عمل تناولت حضور جنوب الباطنة في الصحافة العُمانية، وحركة نسخ المخطوطات، والحراك العلمي في ولاية وادي المعاول، وإسهامات المرأة الوقفية ودورها الحضاري.
وافتُتحت الجلسة بورقة الدكتور عبدالعزيز بن هلال الخروصي بعنوان “جنوب الباطنة في الصحافة العُمانية خلال الفترة من 1972 إلى 1985م: صحيفة عُمان ومجلة العقيدة أنموذجًا”، التي تناولت دور الصحافة في توثيق التحولات التنموية والاجتماعية والثقافية بالمحافظة، عبر التغطيات والتحقيقات التي رصدت المشروعات الخدمية والتعليمية والصحية، والنتاج الأدبي لأبناء المنطقة.
وفي ورقة بعنوان “حركة نسخ المخطوطات في محافظة جنوب الباطنة خلال الفترة من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجري”، استعرض محمد بن فائل الطارشي الدور العلمي للمحافظة في نسخ المخطوطات وحفظها وتداولها، مبرزًا مكانة ولايات الرستاق ونخل والمصنعة ووادي المعاول والعوابي وبركاء بوصفها مراكز إشعاع علمي أسهم علماؤها ونساخها في صون المؤلفات الفقهية واللغوية والطبية وسائر المعارف.
وقدم بدر بن سعود المعولي ورقة بعنوان “الحراك العلمي في ولاية وادي المعاول في ضوء المخطوطات والوثائق والأوقاف خلال الفترة (1156–1390هـ / 1744–1970م)”، رصد فيها ملامح النشاط الفكري بالولاية، ودور المساجد وحلقات العلم في نشر المعرفة والتأليف والنسخ، فضلًا عن إسهام الأوقاف في دعم طلبة العلم واستدامة الصروح المعرفية.
واختتمت أعمال الجلسة بورقة سامية بنت سيف البطاشية بعنوان “إسهامات المرأة الوقفية بجنوب الباطنة ودورها الحضاري”، مبرزة الحضور التاريخي للمرأة العُمانية في العمل الوقفي وتأسيس الصدقات الجارية الداعمة للمبادرات الاجتماعية والتعليمية، وما تعكسه تلك الأوقاف من وعي تكافلي عميق في خدمة المجتمع.
حصيلة علمية تُثري الذاكرة الوطنية
مثلت الندوة على مدار أيامها الثلاثة منصة علمية رصينة لاستجلاء محطات تاريخية مضيئة من مسيرة محافظة جنوب الباطنة؛ إذ غطت الأبحاث الجغرافيا التاريخية والتحصينات الدفاعية، وطرق التجارة والموانئ وأنظمة الأفلاج، فضلًا عن الشواهد الأثرية والنقوش الصخرية، والمؤسسات التعليمية، والنتاج الأدبي واللغوي، وروافد التدوين الصحفي والرواية الشفوية.
كما أبرزت المناقشات إسهامات أبناء المحافظة في الميادين السياسية والعلمية والاجتماعية، والامتداد الحضاري العُماني نحو شرق إفريقيا، إلى جانب دور المرأة الريادي في العلم والأوقاف، مؤكدة ضرورة استثمار الحارات والمواقع التاريخية لدعم السياحة الثقافية وصون الهوية المعمارية.
ويأتي انعقاد هذه الندوة تجسيدًا لجهود هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية في تنشيط البحث التاريخي المرتكز على الوثائق الأصيلة، وتخليد المنجز الحضاري لسلطنة عُمان، ورفد المكتبة العُمانية بدراسات تخصصية معمقة تحفظ الذاكرة الوطنية للأجيال القادمة.
وعلى الصعيد ذاته، يواصل المعرض الوثائقي المصاحب للندوة استقبال زواره بقاعة مكتب والي الرستاق حتى 30 أكتوبر الجاري؛ إذ يضم أكثر من 2000 وثيقة ومادة تاريخية ورقمية موزعة على 11 ركنًا وثائقيًا ومعرفيًا وتفاعليًا تتيح لعموم المهتمين التعرف عن قرب على شواهد التاريخ العريق للمحافظة.