الثقافي

حين أبحرت عُمان إلى الشرق الأقصى: «شباب عُمان الأولى» تكتب فصلًا من المجد البحري وتمد جسور الحضارات

عَزّة بنت عبدالعزيز بن الوليد الهِنائية

​تُمثّل البحار في الذاكرة العُمانية فضاءات رحبة للتواصل الإنساني والتبادل الثقافي، وشواهد حية على أمة جعلت من مخر العباب امتدادًا لهويتها ورسوخها التاريخي، متجاوزة حدود الملاحة والتجارة العابرة. وتبرز رحلة السفينة «شباب عُمان الأولى» إلى اليابان عام 1997م محطةً مضيئة في التاريخ البحري العُماني الحديث؛ إذ استحضرت أمجاد الأجداد، ورسّخت عرى الصداقة والتفاهم بين الشعوب.

​تنتمي «شباب عُمان الأولى» إلى فئة السفن الشراعية التقليدية التي تعتمد على طاقة الرياح، حاملةً دلالة رمزية ترتبط بفنون الإبحار العريقة. وقد غدت أشرعتها المرفوعة شاهدًا على مهارة البحّار العُماني وقدرته على توظيف المعارف الملاحية المتوارثة في إطار عصري، يلتقي فيه التدريب الرصين بالانفتاح على العالم.

​انطلقت السفينة في الخامس عشر من فبراير 1997م من قاعدة سعيد بن سلطان البحرية، متوجهة إلى الشرق الأقصى للمشاركة في الاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس ميناء أوساكا الياباني، وخوض غمار سباق السفن الشراعية الطويلة. وحملت هذه الرحلة رسالة حضارية تجاوزت أبعاد التنافس الرياضي، لتجسد الحضور الدولي لسلطنة عُمان وعمق إرثها الملاحي.

​سلكت السفينة مسارًا بحريًا مرّ بسريلانكا وتايلند وسنغافورة، وشمل محطتين في الصين هما هونغ كونغ وشنغهاي؛ في خط سير يستحضر عمق العلاقات العُمانية الصينية التاريخية وما شهدته طرق التوابل والحرير البحرية من تفاعل تجاري وثقافي ممتد. وعكست هاتان المحطتان حيوية الروابط التي نسجها الأوائل عبر المحيط الهندي وبحار آسيا، لتغدو الرحلة امتدادًا حيًا لطرق ربطت الشرق بالغرب عبر العصور.

​وواصلت «شباب عُمان الأولى» مسيرها نحو اليابان؛ حيث شاركت في فعاليات بحرية وثقافية ورياضية وسط حضور دولي لافت. وشهد السباق منافسة 43 سفينة مثّلت 16 دولة، في مشهد جسّد التنوع والتعاون الدوليين. واقترن الحضور العُماني بالانفتاح على الجمهور؛ إذ استقبلت السفينة 10,612 زائرًا اطلعوا على التراث البحري العُماني وما يكتنفه من أصالة ومهارة ملاحية.

​أثمرت المشاركة إنجازات مستحقة؛ إذ نالت السفينة جائزة أوساكا للإبحار الشراعي، وجائزة أفضل سفينة في الاستعراض البحري، إلى جانب جوائز تقديرية ورياضية متعددة عكست انضباط الطاقم وكفاءته في تمثيل سلطنة عُمان.

​وتُوِّجت هذه النجاحات بالفوز بجائزة الصداقة الدولية «كاتي سارك» للعام الثاني على التوالي، في سابقة تاريخية لدى الجمعية الدولية للتدريب على الإبحار الشراعي. واكتسب هذا الفوز قيمة رفيعة؛ لاتصاله بمعايير الإخاء والتعاون بين الأطقم، ما منح التفوق العُماني بعدًا إنسانيًا رحبًا تجاوز حدود الأرقام وحسابات السرعة.

​جاء هذا الإنجاز ثمرة للتناغم والالتزام المهني والخبرة العالية التي تحلّى بها البحّارة؛ وتثمينًا لهذا التمثيل المشرّف، تفضّل السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- بإنعام مكرمة سامية على طاقم السفينة؛ تقديرًا لعطائهم في تعزيز المكانة البحرية لسلطنة عُمان في المحافل الدولية.

​وتتعزز دلالات هذا المسار عند ربطه برحلة السفينة إلى أستراليا عام 1987م، والتي وثّقت خرائطها البحرية توقفًا في سلطنة بروناي أثناء العودة؛ مما يبرز اتساع الحضور البحري العُماني في جنوب شرق آسيا ضمن سياق تاريخي متصل يجمع بين الملاحة والتواصل الإنساني.

​تتكامل محطات الصين وبروناي لتؤكد أن هذه الرحلات الشراعية تمثل جسورًا حية تربط الحاضر بالماضي، وتستعيد الذاكرة المشتركة مع تلك الأقطار، مبيّنةً كيف حملت السفينة العُمانية قيم التعارف والتواصل عبر الأجيال دون الاكتفاء بالأطر الرسمية المعتادة.

​إن رحلة اليابان تُعد شهادة ناصعة على حيوية الهوية البحرية العُمانية؛ فمن موانئ الوطن إلى هونغ كونغ وشنغهاي وأوساكا، ظل الشراع العُماني وفيًا لرسالة السلام والتآخي، مؤكدًا أن الأمم العريقة لا ترتهن للماضي، بل تبعث فيه روحًا متجددة بصنائع أبنائها وعطائهم المستمر.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى