أسرة العدوي في بهلاء.. أكثر من خمسة قرون من الوفاء لصناعة الفخار العماني
ارتبطت ولاية بهلاء بمحافظة الداخلية منذ مئات السنين بصناعة الفخار، إحدى أعرق الحرف التقليدية التي شكلت جانبًا أصيلًا من هويتها الحضارية والتراثية، وأسهمت في شهرتها على مستوى سلطنة عمان وخارجها. وبين أزقة الولاية وأسواقها القديمة، ظلت هذه الحرفة حاضرة في ذاكرة المكان وتفاصيل حياة أهله، تتناقلها الأجيال وتحافظ على أسرارها ومهاراتها. ومن بين الأسر التي اقترن اسمها بهذه الصناعة العريقة أسرة العدوي، التي جعلت من الفخار إرثًا عائليًا ومسيرة متواصلة امتدت لأكثر من خمسة قرون.
وقد شكلت الأسرة، عبر أجيالها المتعاقبة، أنموذجًا للصنّاع الذين تعاملوا مع الفخار بوصفه أمانة تراثية ومسؤولية تجاه تاريخ الولاية وهويتها، إلى جانب كونه موردًا للرزق؛ فحافظوا على أساليبه التقليدية، وتوارثوا خبراته، وحرصوا على نقلها إلى الأبناء والأحفاد، لتظل هذه الصناعة حية رغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية وتغير أنماط الإنتاج والاستهلاك.
وفي مسيرة هذه الأسرة، يبرز اسم الوالد الحرفي عبدالله بن حمدان العدوي، الذي رحل عن الدنيا صباح يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026م، عن عمر ناهز 91 عامًا؛ في رحيل ترك أثرًا عميقًا في نفوس محبيه وأبناء ولاية بهلاء، الذين شيّعوه عصر اليوم نفسه في جنازة مهيبة، ووُري جثمانه الثرى في مقبرة الفرجانية بالولاية، وسط مشاعر الحزن والدعاء له بالرحمة والمغفرة.
أمضى الفقيد عقودًا طويلة ممسكًا بزمام هذه الصنعة، مواصلًا نهج آبائه وأجداده، ومتمسكًا بالطرق الأصيلة في إعداد الطين وتشكيله، وتحويله إلى آنية ومنتجات تحمل ملامح الهوية العمانية. وكان من الوجوه البارزة التي ذادت عن استمرار هذا الموروث في الولاية، متكئًا على دراية واسعة اكتسبها بالمشاهدة والمران وطول الممارسة، وهي معرفة لا تتأتى عفوًا، بل تتطلب صبرًا وشغفًا تتوارثهما الأجيال جيلًا بعد جيل.
وإلى جانب براعته الحرفية، عُرف الوالد عبدالله بن حمدان العدوي، رحمه الله، بين أهل حارته برجاحة العقل وحسن التدبير، فكان مقصدًا لهم في شؤونهم، ومصلحًا يسعى في فض النزاعات والتأليف بين القلوب، لما اتصف به من حكمة وتجرد وحرص على اللحمة المجتمعية.
وعلى صعيد أسرته، أولى تعليم أبنائه وتربيتهم عناية فائقة، فحثهم على الاستزادة من المعارف والإتقان في العمل والنهوض بالواجبات المجتمعية والتطوعية، غارسًا في نفوسهم محبة الوطن والاعتزاز بماضيه والتمسك بقيم الصدق والأمانة؛ فكان يرى في استقامتهم ونجاحهم الثمرة الكبرى لما بذله من جهد ورعاية.
ويعود تاريخ مصنع العدوي للفخار إلى أكثر من خمسمائة عام، وهو ما يمنحه موقعًا فريدًا في سجل الحرف التقليدية ببهلاء، وشاهدًا حيًا على تعاقب الأجيال. وقد حافظ المصنع على أدوات الإنتاج القديمة ومراحله المتوارثة، ليغدو صرحًا وذاكرة حية تختزن تاريخ الصناعة وتطورها في المنطقة.
وتُوّجت جهود المصنع بنيله المركز الأول في جائزة السلطان قابوس للإجادة الحرفية عام 2010م، تقديرًا لتميزه في صون الحرفة والارتقاء بها دون المساس بأصالتها. كما حظي المصنع بزيارة السيدة الجليلة عهد بنت عبدالله البوسعيدية، حرم جلالة السلطان المعظم، في سياق الاهتمام السامي بالموروث الحرفي الوطني. وبات المصنع مزارًا يقصده السياح والباحثون وطلبة المدارس، للوقوف على أسرار تشكيل الفخار ومشاهدة مراحله عمليًا.
وامتد الاهتمام بتجربة الوالد الحرفي إلى وسائل الإعلام العمانية والخليجية؛ إذ سُجلت معه لقاءات صحفية وتلفزيونية في سلطنة عمان وقطر والبحرين، عكست المكانة التي بلغها بوصفه حاملًا لأصالة هذه الصنعة. ومما وثّق ذلك، ما دونه الباحث البحريني عبدالرحمن سعود مسامح في مجلة «الثقافة الشعبية» (العدد 24، يناير 2014م)، ضمن مقال بعنوان «يوميات رئيس فريق عمل ميداني»؛ حيث أفرد مساحة للحديث عن مصنع العدوي في محلة خليفة، ومطابقة طرائقه العريقة كحرق الفخار باستخدام جذوع النخيل وأغصان العوسج.
وتتجلى حيوية تجربة أسرة العدوي في كسرها لحاجز الانقطاع الجيلي؛ إذ حمل الراية الأستاذ سعيد بن عبدالله العدوي وإخوانه، وشرعوا في توريثها لأبنائهم وتدريب النشء، واضعين بين أيديهم أسرار الصنعة من تخمير الطين إلى إنضاجه في الأفران.
وفي هذا السياق، عبّر خميس بن قلم—أحد تلامذة الأستاذ سعيد—عن تقديره لأستاذه، مستحضرًا براعته في الحرفة وخلفيته التربوية ببيت دالٍّ قال فيه:
«وسعيد العدوي صلصاله زين الطين فغار الخزف»
وهي إشارة تؤكد تحول الممارسة الأسرية إلى رسالة تعليمية تصون الصنعة من الاندثار، لا سيما في ظل التحولات المعاصرة وتراجع الحاجة الاستعمالية للقطع الفخارية في الحياة اليومية.
إن مسيرة أسرة العدوي في بهلاء برهان على أن صون التراث يتجسد بالاستمرار في الإنتاج ومواصلة العمل التراكمي. وبرحيل الوالد عبدالله بن حمدان العدوي، تُطوى مرحلة زاخرة بالعطاء، غير أن الأثر يبقى متقدًا في سواعد أبنائه وأحفاده، حفظة هذا الإرث العماني الأصيل.
رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وجزاه خيرًا على ما قدّم لوطنه ومجتمعه، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
