الثقافي

في الصندوق

خليفة السعيدي

يَهْتَز الصُّنْدُوق اضطراباً فِي مُؤَخَّرَةِ السيارة (الكريل) وَتُصَب العجلات غضبها عَلَى الإسفَلْت (القار) وَهِي تنهب طَرِيق مُلْتَوٍ ومتعرج، وَكَان النّقّاش يَحْتَدِم ويتأجج دَاخِلٌ الصُّنْدُوق ويرتفع الصُّرَاخ، قَالَت الْأُمّ بنبرة صَارِخَة يتوسطها الْحَزْم بَعْدَ أَنْ أَخَذَ الصَّمْت يَجْثُم رويداً عَلَيْهِمْ يَا أَبْنَائِي، الْآن فَقَط الْآن ينسرب مَصِير حَيَاتِنَا إلَى طَرِيقَيْن لَا ثَالِثَ لَهُمَا، أَوَّلِهِمَا القَفْز مِنْ هَذَا الصُّنْدُوقِ اللَّعِينِ إلَى احْتِمَالِ نِصْفُه الْمَوْت، أَو الْعَوْدَةِ إلَى مَنْزِلِ هَذِه العَائِلَة لِنَكُون عبئاً ثقيلاً عَلَيْهِمْ فِي طَعَامِنَا ومأوانا، فَكَمَا تَعْلَمُون عَدَدُنَا سِتَّة قَطَط كُلّ قِطَّة لَا يَسُدُّ لَهْفَة مَعِدَتِهَا اللعينة إلَى الطَّعَامِ إلَّا قِطْعَةَ لَحْم تَسْتَأْثِرُ بِهَا لِنَفْسِهَا فَقَطْ وَمِنْ يَدْرِي رُبَّمَا حِين يُضَيِّقُون بِنَا ذرعاً يرسلولنا إلَى الْعَالِمِ الْآخَر برصاصة فِي مُقَدِّمَةِ الرَّأْس . . .

انْتَفَض الْقَطَّان المقعيان عَلَى رجليهما فِي زَاوِيَةِ الصُّنْدُوق وَقَال: أَحَدُهُمَا بِقَلْب مرتجف وَلِسَانٌ مُضْطَرِبٌ، مَا هَذِهِ الْقَسْوَة الْبَالِغَة والمتحجرة الَّتِي تصفين بِهَا أَرْبَاب نعمتنا؟! لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْدثَ ذَلِكَ، وَأَضَاف الْقِطّ القابع إلَى يَمِينِهِ وَهُوَ يَهُزّ ذَيْلِه، ثُمَّ إنَّ رَبَّة الْمَنْزِلِ مرهفة الْإِحْسَاس، لِينَة الطِّبَاع، جُرْح فِي أحْدَنا كَفِيلٌ بِأَن يغدق دَمْعَتُهَا حَزِنَ عَلَيْه.

بَيْنَمَا أَخَذ القطط الثَّلَاثَة القابعون على يَسَار القِطَّة الْأُمِّ فِي وَسَطِ الصُّنْدُوق يزفرون بمواءة متواصلة بَيْن الْمُتَوَسِّطَة والصارخة، وَقَالَ أَحَدُهُمْ وَاللُّعَاب يَسِيلُ مِنْ غَيْظٍ : لأنكما أحمقان وَلَم تختبران الْحَيَاة كَأُمِّي،سلها : أَلَم يَأْتِي بِهَا الْبَشَر تستقبلها زنازين الْأَقْفَاص مِن موطن إلَى آخِرِ ثم  إلَى هَذِهِ الْأَرْضَ الْمُحْرِقَة شَمَّسَهَا، وكأننا نَتَقَلَّب عَلَى جَمْرِ جَهَنَّمَ .

وَقَالَ الْآخَرُ: أَفْضَل الْمَوْت عَلَى الْعَوْدَة إلَى ذَلِكَ الْمَنْزِلِ، أَلَم يَذْهَبوا بِنَا إِلَى مَتْجَر القطط ليبيعوننا بِثَمَنٍ بَخْسٍ ليعيدوننا إلَى تِلْكَ الزنازين بَيْن مِئات الْحَيَوَانَات الْقَذِرَة، لننتظر رَحِمَة الْمُشْتَرِي الْقَادِم، وَلَكِنْ مِنْ فألنا الْحَسَنِ لَمْ يُرَقْ مظهرنا لِذَلِكَ الْبَائِعِ المتعجرف وَلِهَذَا نَحْن هُنَا، وَأَضَاف الْآخَر: نَعَم إنَّهَا فرصتنا لِلْهَرَب ، فَلَم نبتعد كثيراً عَنْ الْمَدِينَةِ بَعْدَ ، فَرُبَّمَا تَكُونُ حظوظنا هُنَا تَحلم بِهَا مِئات القطط المشردة.

وَعَمّ صُمْت قَاتِمٌ لَمْ يُكْسَرْ هَيْبَتُه إلَّا نَظَرة تائهة أرسلتها القِطَّة الْأُمُّ وَهِيَ تَقُولُ: أَنْتُم تكبرون يَا أَبْنَائِي وَالْحَيَاة هُنَاكَ كَمَا تَعْلَمُونَ لَا تَتَّسِع لِلْجَمِيع وَإِنِّي حزمت أمري واتخدت قراري عَلَى القَفْزِ إلَى اللامعلوم، وَلَا أَقُولُ مَا أُرِيكُم إلَّا مَا أَرَى وَلَكِنَّ أرئوا لِأَنْفُسِكُم المصير الذي تريدون الوصول إليه.
صَدَرَت جَلَبَة وَاضْطِرَاب بَيْنَ الْجَمِيعِ إِلَى أَنْ أَتَّخِذَ كُلّ قَطّ سَبِيلَه. . وَقَرَّر الْقَطَّان القابعان فِي زَاوِيَةِ الصُّنْدُوق الْبَقَاء والذهاب مع العائلة..

تسلقت القِطَّة الْأُمّ وقططها الثَّلَاثَة الصُّنْدُوق ودموعها الْمسالَة وَقَلْبِهَا المنفطر لَا يَصِفُه الْكَلَام،  ولوحت بِيَد الْفِرَاق لقطيها وَهُمَا يتشبثان بِهَا حزناً وكمداً لآخر نظرة  يلقيانها عليها، وقفزوا إلَى الْمَجْهُولِ الَّذِي يَعْقُبُهُ حَيَاةً أَوْ يأس مفجع..

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. كتابة سلسة الأسلوب عميقة المغزى المجهول ذلك النفق المظلم لا يمتطيه إلا من تألم المرارة وذاق الألم ولوعة الفراق عندئذ سينجلي الظلام وتنبلج الأضواء لكن هل الألم ينتهي….

زر الذهاب إلى الأعلى