يتلاقى شغف الكلمة مع التقاطة العدسة وأناقة الحرف في تجربة استثنائية تختزل سنوات من الترحال والبحث في ذاكرة المكان والإنسان. يتجلى هذا التناغم في مسيرة الكاتب والمصور ناصر بن مسهر العلوي، الذي جعل من أسفاره ورحلاته الميدانية مسرحاً لإبداعه، موظفاً أدواته الثلاث: الكتابة التصويرية، والعدسة التوثيقية، والخط العربي، ليرسم ملامح حكاية تتجاوز حدود الجغرافيا لتلامس تفاصيل الروح.
تتميز مدوناته ورسائله السردية المعروفة بـ “مسهريات” بالغوص في تفاصيل المجتمع والبيئة، مقدماً أدب رحلات يزاوج بين العاطفة والدقة التوثيقية. وفي هذا الحوار، نفتح معه نافذة على العوالم التي جابها، والذاكرة التي اختزنها من بهلاء إلى عوالم الترحال البعيدة
كيف أسهمت نشأتك الأولى في تشكيل عين الرحالة لديك قبل بدء رحلاتك الخارجيّة؟
يبدأ الترحال من الداخل أولاً؛ وقبل الطواف بالبلدان، كانت حارات بهلاء وضواحيها الخضراء هي المدرسة الأولى. شكل تدفق مياه “فلج الميتاء” المجاور للسوق، والعيون الرقراقة في “وادي بهلاء” و”عين وضاح”، إلى جانب القلاع والحصون والأبراج الشامخة، لوحة بصرية متجددة يومياً.
غرسَت تلك البيئة المسكونة بالتاريخ حب الاكتشاف، وحفظ تفاصيل المكان والشخوص. ومع نمو الشغف، تحولت الكتابة والتصوير والخط العربي إلى أدوات حية للتعبير عن المشاهدات، وتوثيق أثر المكان في نفوس ساكنيه.
غادرت مقاعد الدراسة في سن مبكرة، كيف استطعت تعويض ذلك لتبني تجربتك الكتابية والتوثيقية؟
رغم مغادرة مقاعد الدراسة مبكراً لظروف أسرية، كانت الحياة معلماً يفتح أبوابه باستمرار. واصلت التعلم عبر القراءة الواعية، والتجربة الميدانية، والممارسة اليومية. شكلت الرحلات والاحتياك بالناس والمجتمعات المختلفة المدرسة الكبرى، يضاف إلى ذلك حضور الفعاليات الثقافية والفنية والاستفادة من تجارب الآخرين، مما صقل المهارات ورسّخ حساً نقدياً وتوثيقياً انعكس لاحقاً في الكتابات.
ارتبطت تجربتك بالعدسة منذ وقت مبكر، كيف بدأت رحلتك مع التصوير الضوئي؟
بدأت العلاقة بالحصول على كاميرا فورية من نوع “كوداك” هديةً من أحد الأقارب، وكانت الفرحة بها نقطة تحول حقيقية. ورغم بساطة الإمكانات في ذلك الوقت، استمر التصوير بالصبر والملاحظة الدقيقة، حتى أصبحت الكاميرا رفيقة لا تفارق المناسبات والرحلات.
تقوم فلسفة التصوير لدي على الصدق؛ وتعكس الصورة حقيقتها بدون مبالغة في التعديل الرقمي، يكمن جمال الصورة في قدرتها على توثيق اللحظة التاريخية والإنسانية في أصلها.
تتميز كتاباتك في “المسهريات” بالتركيز على السفر والترحال، ما الذي يضيفه السفر لقاموس الكاتب والمصور؟
يفتح السفر آفاقاً واسعة من المعرفة، ويقرب الإنسان من الثقافات المتباينة. هو اكتشاف دائم للإنسان والمكان.
أحرص في الرحلات على تسجيل التفاصيل اليومية، والمشاهدات الانطباعية، والتفاعل المباشر مع الأهالي في الأسواق والأرياف. تركت الرحلات المتعددة إلى جمهورية باكستان والأرياف الآسيوية أثراً عميقاً في الوجدان؛ حيث تجلى سحر الطبيعة العذراء، وكرم الشعوب الأصيلة، مما غيّر التصورات الذهنية السابقة، ودفع إلى تدوين تلك المشاهدات ونشرها لنقل الحقيقة بالكلمة والصورة.
عملت في شرطة عمان السلطانية في مجالات تتطلب الدقة مثل كتابة الجوازات بالخط اليدوي والعلاقات العامة، كيف أثرت هذه المحطة في أسلوبك التوثيقي؟
كان للعمل الشرطي دور محوري في تنظيم الأدوات؛ كتابة بيانات جواز السفر العماني بخط اليد في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي تفرض أعلى درجات الدقة والوضوح والانضباط. أضاف الانتقال لإعداد المراسلات وتلخيص القضايا، والعمل في قسم العلاقات بأكاديمية السلطان قابوس لعلوم الشرطة، صقلاً للمهارات في التواصل والتكثيف اللغوي، وهي أدوات أثمرت في تدوين انطباعات السفر وكتابة المقال التوثيقي.
استطاعت عدستك وحرفك الوصول إلى المعارض والمسابقات، ما هي أبرز المحطات الفنية في مسيرتك؟
انطلقت المسيرة من المعرض الشخصي الأول في منتصف التسعينيات بمقر نادي بهلاء القديم، وضم أعمالاً في الخط العربي والتصوير، وحظي بتغطية صحفية من جريدة “الوطن” حينها. تلت ذلك مشاركات في معارض متعددة داخل سلطنة عمان وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى فعاليات الجمعية العمانية للفنون التشكيلية.
وعلى صعيد الجوائز، برز الفوز بالمركز الثاني في مسابقة التصوير لـ “عام الشبيبة” والتكريم في قصر البستان، إلى جانب الحصول على المركز الثاني في مسابقة أسبوع المرور الخليجي عبر صورة وثقت رجلاً مسناً يعبر الطريق أمام قلعة بهلاء، وهي صورة تظل قريبة إلى القلب لما تحمله من رمزيّة للمكان والإنسان.
كيف تنظر إلى التقنيات الحديثة وأدوات التصوير والنشر الرقمي اليوم؟
توفر التقنيات الحديثة والمنصات الرقمية أدوات ممتازة لتطوير العمل وإيصال أدب الرحلات والتصوير إلى جمهور أوسع. تظل التقنية وسيلة مساعدة، ولا تخلق الموهبة أو تعوض الخبرة الميدانية وحس الرحالة.
تتجه الدعوة للشباب إلى استثمار هذه التقنيات لتنمية مواهبهم والتعلم المستمر، مع حث المؤسسات والأندية الأهلية على إفساح مجال أكبر لدعم المواهب الثقافية والفوتوغرافية، لحفظ الذاكرة الوطنية وتوثيق المنجز الإنساني.
تبقى الكتابة والتصوير والخط العربي شغفاً أصيلاً وأسلوب حياة يرتبط بالقلب. تستمر ممارستها رغم كل المشاغل، إيماناً بأن توثيق المكان والإنسان عبر الترحال هو القيمة الحقيقية التي تحفظ الذاكرة وتصون تفاصيلها النابضة للأجيال القادمة.


