عزيزتي أنا…
أعرف أنكِ لن تقرئي هذه الرسالة الآن، وربما لو قرأتِها قبل سنوات لما فهمتِ كثيرًا مما أحاول قوله لكِ اليوم. كنتِ منشغلة آنذاك بأن تفهمي العالم من حولكِ، بينما لم يخبركِ أحد أن أصعب ما يمكن أن يتعلمه الإنسان هو أن يفهم نفسه.
أتذكركِ جيدًا.
كنتِ تحاولين أن تكوني كما يريد الآخرون، تخافين أن تخذلي أحدًا، وتفكرين كثيرًا قبل أن تقولي ما تشعرين به. كنتِ تظنين أن الصمت دائمًا حكمة، وأن التنازل عن نفسكِ من أجل من تحبين نوع من الوفاء.
ولم تكوني تعرفين أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تكوني طيبة، وبين أن تهملي نفسكِ حتى يرضى عنكِ الآخرون.
أكتب إليكِ اليوم، لا لألومكِ على شيء.
على العكس…
أريد أن أقول لكِ: شكرًا.
شكرًا لأنكِ صمدتِ في الأيام التي ظننتِ فيها أنكِ لن تستطيعي الاستمرار. شكرًا لأنكِ نهضتِ كل مرة شعرتِ فيها أن شيئًا في داخلكِ قد انكسر. شكرًا لأنكِ واصلتِ الحلم، حتى في الوقت الذي لم يكن فيه الحلم واضحًا أمامكِ.
لم تكوني ضعيفة كما كنتِ تظنين.
كنتِ فقط صغيرة على كل ما كان يحدث في داخلكِ.
كبرتِ وأنتِ تتعلمين أشياء لم تخبركِ بها الكتب. تعلّمتِ أن بعض الأشخاص لا يبقون، مهما تمنينا بقاءهم، وأن بعض الأبواب التي نبكي لأنها أُغلقت في وجوهنا، سنكتشف لاحقًا أنها كانت تحمينا من طرق لم تكن لنا.
تعلمتِ أيضًا أن الإنسان قد يخسر أشخاصًا، لكنه لا ينبغي أن يخسر نفسه في سبيل الاحتفاظ بهم.
وأعرف أنكِ كنتِ تخافين من التغيير.
كنتِ تظنين أن التغيير يعني أن تتخلي عن النسخة التي عرفها الجميع منكِ. لكنكِ ستكتشفين أن الإنسان لا يخون نفسه حين يتغير، بل يخونها حين يعرف أنه لم يعد سعيدًا، ثم يصر على البقاء في المكان نفسه خوفًا من المجهول.
ستتغيرين كثيرًا.
ستتغير نظرتكِ للحياة، وللناس، وللحُب، وحتى لنفسكِ.
ستكتشفين أن بعض الأشياء التي كنتِ تظنينها نهاية العالم لم تكن سوى بداية جديدة لم تعرفي كيف تستقبلينها.
وستعرفين أن النضج ليس أن تصبح الحياة أسهل، وإنما أن تصبحي أنتِ أكثر قدرة على التعامل معها.
ذات يوم، ستنظرين إلى المرآة ولن تبحثي عن عيوبكِ كما كنتِ تفعلين. ستنظرين إلى عينيكِ وتتذكرين كم مرة أخفيتِ خلفهما دمعة، وكم مرة ابتسمتِ رغم أنكِ لم تكوني بخير.
وحينها ستفهمين شيئًا مهمًا:
أنكِ لم تكوني بحاجة إلى أن تصبحي شخصًا آخر حتى تستحقي الحب.
كنتِ تستحقينه وأنتِ أنتِ.
بكل خوفكِ، وترددكِ، وأخطائكِ، وأحلامكِ الصغيرة التي كبرت معكِ.
لذلك، يا نسختي القديمة…
لا تخافي من الأيام القادمة.
ستمر عليكِ أيام ستتمنين لو أنكِ تستطيعين تجاوزها سريعًا، وستمر أيام أخرى ستتمنين لو أنها لا تنتهي. ستضحكين كثيرًا، وستبكين أحيانًا، وستتعلقين بأشياء ثم تتعلمين كيف تتركينها.
لكن في كل مرة ستظنين أنكِ ضعتِ، ستكتشفين أنكِ كنتِ تعيدين اكتشاف نفسكِ.
وأرجوكِ…
لا تعتذري كثيرًا عن كونكِ أنتِ.
لا تصغّري أحلامكِ حتى تبدو مناسبة للآخرين.
لا تجعلي خوفكِ من الفشل سببًا لعدم المحاولة.
ولا تقيسي قيمتكِ بعدد الذين اختاروكِ، فاختيار الآخرين لكِ ليس المقياس الوحيد لقيمتكِ.
ستتعلمين أن تختاري نفسكِ.
ليس أنانية، كما سيقول البعض، بل إنصافًا لروحكِ التي قضت وقتًا طويلًا وهي تحاول أن تكون كل شيء للجميع.
واليوم، وأنا أكتب إليكِ من مكان لم تكوني تعرفين أنه موجود، أريدكِ أن تعرفي أنني فخورة بكِ.
ليس لأنكِ أصبحتِ بلا أخطاء، ولا لأنكِ وصلتِ إلى كل ما تمنيتِه.
بل لأنكِ لم تعودي تلك الفتاة التي تخاف أن تبدأ من جديد.
لقد فهمتِ أخيرًا أن بعض البدايات لا تأتي إلا بعد نهاية مؤلمة، وأن الإنسان يستطيع أن يولد من جديد دون أن يغيّر اسمه أو ملامحه؛ يكفي أن تتغير نظرته إلى نفسه.
لذلك لا أريد منكِ أن تعودي.
ابقَيْ هناك، في الماضي.
احتفظي ببراءتكِ، وبأحلامكِ الأولى، وبذلك القلب الذي كان يصدق الجميع بسهولة.
أما أنا فسأكمل الطريق.
سأحمل منكِ ما يستحق أن يُحمل، وأترك خلفي ما أثقل خطواتكِ طويلًا.
وفي كل مرة أصل فيها إلى مكان جديد، سألتفت إلى الخلف وأقول: كانت هي البداية…ولولاها، لما أصبحتُ أنا.



