العام

عندما يصبح الزواج طريقًا للقطيعة

أفاقت «نعيمة» على وقع صراخ شقيقتها الكبرى، وهي ترتعد من رؤية الشرر الذي يتطاير من أعين إخوتها. لم تكد تستوعب المشهد حتى انهالوا عليها ضربًا وسحقًا بالأقدام. استمرت على هذا الحال منذ أن تقدم لخطبتها «خميس» وهو من درجةٍ أقل منها مكانةً ونسبًا، فما كان من والدها إلا أن أجابه بالرفض، غير أنها لم تتقبل قراره، وأصرّت على الزواج منه حتى وإن كلفها الأمر فراق أهلها، وإن حاولوا منعها بكل الوسائل، فإنها ماضيةٌ خلف قلبها أينما يوجهها.

أحمد بن سيف الهنائي 

سرعان ما انتشر الخبر في قريتها الوادعة، حاول العقلاء أن يثنوها عن قرارها، لكنها ظلت عازمة على المضي قدمًا، ليتحول منزلها الكبير إلى سجنٍ قاتم، تجلد فيه بالعصا صبحًا ومساء، بعد أن كانت تنعم بالحب المطلق والسكينة وتلبية طلباتها قبل أن تنبس ببنت شفة.
تطوّر الحال إلى محاولات جادة لإرهابها بالقتل، ووجدت نيّة حقيقية من إخوتها في حال استمر موقفها على حالها، وهو ما جعل شقيقها الأكبر يقيّدها في المساء ويجرها إلى باحة المنزل مشهرًا «سكينًا»، ليكتفي وقتئذ بالضرب المبرح حتى ترك آثارًا داميةً في جسدها.
تنكر لها الجميع، وتحول أفراد أسرتها إلى وحوش كاسرة، لا تعرف الشفقة ولا الرحمة، ولم تجد يدًا حانية إلا من أمها، التي ذاقت الأمرين، بين ابنتها فلذة كبدها، وبين احساسها بحساسية موقف اخوتها، فهم من عائلةٍ معروفة، والنسب له قدسيته التي لا يمكن الاطاحة به، لكنها حافظت على علاقة الأم بطفلتها، فكانت كل يوم تضمّد جراحها، وتحاول تهدئتها تارة، ونصحها بالعدول عن قرارها تارةً أخرى حفاظًا على حياتها، هذه الوقفة كانت تمنحها الكثير من الحنان الذي لم تعد تعرف له طعمًا الآن.
على إثر هذه المحاولات، لم تلق «بدًا» من الهرب مع خميس، وتلجأ إلى المحكمة في المطالبة بالزواج ممن تحب، وهي تعلم أنها ستخسر علاقتها بأهلها جميعًا، وربما يفضي بها الحال إلى «التشرّد» إن لم يكن التوفيق حليفًا لها في زواجها مستقبلا، فمتى ما تعكّر صفو حياتهما الزوجية، وحدث الطلاق، فإنها لن تجد حضنًا دافئا يستقبلها كالسابق، وسيبقى المستقبل مجهولًا، ورغم كل ذلك يتفوق صوت القلب على العقل والمنطق من جديد.
وجاء اليوم الذي رأت والدها متكئًا على وجعه، وكأنه يحمل ثقل السبعين عامًا في صُرّة يده. زوايا المحكمة العليا تعجُّ بحركة المتقاضين، وهو سادرٌ في حزنه مخترقٌ ستار الأرض حتى السماء السابعة. وعلى بعد أمتارٍ مُترفةٍ بالشجن تُناظره ابنته وهي ترتجف من هول ما ستُقدِم عليه، تتخطّفها الأماني وتلقي بها ذكرياتها الجميلة على قارعة الطريق المفترق؛ حيث لا رجعة.
كلُّ منهما يحتفظ في داخله بقناعته الخاصة، لكن أن تحمله على جناح الإكراه وتجاوز سلطته الأبوية المقدسة، هو ما أنهكه وجعله يبدو أمام نفسه متصاغرًا ومتضائلًا؛ كان من أشدِّ الناس تمسكًا بالقيم والأعراف الاجتماعية وما زال، وفي عنفوان مركزه بين ذويه وأهل بلدته، لم يدر بخلده أن تجرّه ابنته إلى قاعة المحكمة لتلزمه بقرارها في أمر زواجها رغمًا عنه وعن العادات والتقاليد.
في لحظة اعتكافه مع نفسه، استرجع ما بذله لها من عنايةٍ وحب، وكيف أشرق البيت ساعة قدومها، كانت شمعةً مضيئةً بالبرِّ والرعاية له ولأمها، لم تبخل عليهما بالعطف والخدمة وفيض المشاعر المتدفقة، ظلّت تكبر ويكبران معها؛ فهي خاتمة الأبناء وخلاصة روح المحبة، وكعادة «آخر العنقود» يكون ضيّ العين من فرط الدلال وبالغ الاهتمام.
أما هي فقد علمت أن الزمن يدور بها دورته، فهي اليوم «تغتال» والدها الذي أحبته كما لم تحب أحدًا من قبل، تراقب انكماشه على نفسه، وكأن ملابسه اتسعت من شدّة ضم أضلاعه المختنقة التي تعالج هذا الألم، تُمني النفس في لحظتها تلك أن تنتشله مما وضعته فيه، لكن حُلم الزواج بمن تحب يباغتها فيعيدها إلى حالة سكونها في هذه المواجهة الدامية التي تدرك يقينًا أنها المنكسر والخاسر الأكبر فيها إن تحقق لها ما أرادت.
هو يرى أن «النسب» شرط مهم للتكافؤ في الزواج، والسيرُ على ما عَهِدهُ الآباء والأجداد من تمسكٍ بهذا المبدأ أمرٌ لا بد منه، وعقيدةٌ لا يستطيع التخلص منها، أو حتى المساومة فيها، وإن تضعضع أمام ما يكنه لابنته من حبٍ يفوقُ ضوء الشمس وهجًا، فإن الواقع المحيط به لن يرحمه، وستتلقفه الألسن همزًا ولمزًا، وسيكون فَتيْل الازدراء في كل مجلس، فكيف له أن ينجو من هذا كلّه، وهو يرقى في نظره إلى درجة «العار» في عرف المجتمع.
هي لا تعبأ بكل هذا، ترى أن لها كامل الحق في أن تختار شريك حياتها، وفق قناعاتها لا قناعات المجتمع، بغض النظر عن لونه وعرقه وجنسه، فالمعيار الآمن بالنسبة لها الشعور بالقبول والانجذاب نحوه بطمأنينة، إذ تقول: «ما المانع أن أعيش حياتي الجديدة صحبة رجلٍ أثق به وبأخلاقه وبقدرته على حمايتي ورعايتي وتوفير بيئة زوجية مثالية قائمة على السعادة والتوافق؟ أنا لا أقيّم الرجل بناءً على أصله ونسبه، فهذه ليست خطيئته، إنما إرادة الله شاءت ذلك، ما يعيب الرجل هو سوء أخلاقه لا لونه وعرقه».
في وقائع كثيرة تعرضت الفتيات الراغبات في اختيار شريك حياتهن خارج القيود الاجتماعية والعرفية المعروفة إلى سوء معاملة، يصل إلى حد الضرب والتعذيب والتهديد بالقتل في بعض الحالات، إلا أنه في الغالب تنتهي إلى قطيعةٍ كلية، بسبب اتمام الزواج عبر اللجوء إلى المحاكم.
وكما يشير الدكتور محمد بن عبدالله الهاشمي قاضي المحكمة العليا في مقالٍ سابقٍ له عن وجود دائرةٍ مختصةٍ بهذا الشأن وهي دائرة العضل، قائلًا: «تختص هذه الدائرة بالنظر والفصل في قضايا الزواج، وتوضيحا لذلك، إذا رغبت المرأة في الزواج من شخص معين ورفض والدها الزواج من الشخص الذي تريده، لها أن ترفع دعواها بصحيفة تودعها أمانة المحكمة العليا بطلبها وأسباب رفض والدها، وإذا صدر حكم من المحكمة العليا برفض دعواها فيجوز لها أن تتظلم من الحكم الصادر الى جلالة السلطان يقدم الى ديوان البلاط السلطاني خلال ثلاثين يومًا من اليوم التالي لتاريخ صدور الحكم. وهذا الاستثناء الذي أوجده المشرع للتسهيل على المتقاضين وضمانا لسرعة الفصل في مثل هذه الدعاوى».
يرى البعض أن قضايا العضل في ازدياد، وأن المجتمع لا يزال يتعامل مع هذا الموضوع بحساسية شديدة، إلى درجة أن «التكوين» سعت إلى استقصاء آراء عدد من المختصين حول نظرة المجتمع للزواج الناشئ بين طرفين مختلفي النسب، فتهرّب الجميع من إبداء الرأي صراحةً، خشيةً من الصدام مع مكوّنات المجتمع المتصلة بدائرة الموضوع، بيد أن البعض يرى في تنامي مثل هذا الزواج تفككًا واختلاطًا غير محمود، في حين يجد فيه البعض تحقيقًا لمبدأ العدالة الإنسانية في المساواة وانتصارًا للمدنية التي غدت تنظر لعقل الإنسان ومنجزاته وفضائله لا إلى أصله ولونه، وعلى المدى المنظور سيظل الصراع قائمًا بين مؤيد ومعارض، ومتمسكٍ ومتساهل، وبين من يراه خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه ومن يجده طريقًا للتخلف والرجعية، يبقى الفصل في هذا الأمر مؤجلًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. لا علاج للعاشقين إلا بالنكاح الشرعي

    نحن في دبي تتزوج الفتاة من نفس قبيلتها او من نفس الحارة
    لا تتزوج البيضاء الحرة من العبد الاسود و لا تتزوج الغنية من الفقير الجاهل

    فكر
    لو هذه العانس الحرة الغنية الجميلة تزوجت من شاب وسيم اسمر فقير
    قد يعيشوا ٥٥ سنه كمعاريس
    و قد تعيش ذليلة كالمعلقة بعد انجابها للطفل الثاني بسبب زواجه بثانية و ثالثه او بسبب سفرات الغرامية
    ستلجأ لأهلها الذين حاربتهم من أجله لكي تشكي لهم حالها و لكي يساعدوها في فك كربتها

    1. الفقر والغنى لا علاقة لهما بسوء الأخلاق أو الطباع أخي حمدان خميس.
      كما أن الأبيض والأسود مجرد ألوان، ففي الأخير كلنا خلق الله وعبيده:
      إن أكرمكم عند الله أتقاكم، لا أبيضكم.

  2. مهما يكن من أمر فالعادات والتقاليد والقبلية والنسب خط أحمر لا يمكن تجاوزه
    لا نتمنى أن يخسر المجتمع كل ثوابته وأعرافه
    تبقى الأصول لها وضعها الاجتماعي منذ بدء الخليقة

زر الذهاب إلى الأعلى