مركز الملك فيصل يوقع اتفاقية تعاون مع جامعة القرويين ويتبنى مشروعاً لفهرسة مخطوطات خزانتها التاريخية
وقّع مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية اتفاقية تعاون مع جامعة القرويين في مدينة فاس بالمملكة المغربية؛ لتعزيز التنسيق العلمي في مجالات حفظ التراث العربي والإسلامي المخطوط وفهرسته وتحقيقه وصونه. جاء ذلك خلال زيارة صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة المركز، لخزانة القرويين التاريخية، يوم الثلاثاء 16 جمادى الأولى 1448هـ، الموافق 27 أكتوبر 2026م؛ إذ أعلن سموّه تبنّي المركز رعاية مشروع متكامل لفهرسة المخطوطات غير المفهرسة في الخزانة، وتوفير متطلبات إنجازه بالتنسيق المباشر مع الجامعة.
وكان رئيس جامعة القرويين، الأستاذ الدكتور آمال جلال، في استقبال سمو الأمير تركي الفيصل، حيث رحّب بزيارته واصطحبه في جولة شملت أروقة الخزانة، اطّلع خلالها على نفائس المخطوطات المحفوظة، والجهود القائمة لترميمها وصيانتها، بوصفها شواهد حيّة على مسيرة أحد أبرز الصروح العلمية التي خدمت التراث الحضاري والفكري للأمة الإسلامية عبر القرون.
وأعرب الأمير تركي الفيصل، في كلمة ألقاها بهذه المناسبة، عن اعتزازه بزيارة خزانة القرويين والاطلاع على رصيدها المعرفي، موجهاً شكره إلى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ورئيس جامعة القرويين، وإدارة الخزانة، على حفاوة الاستقبال وإتاحة هذه الفرصة للاطلاع على نوادر المخطوطات.
وأكد سموّه أن الخزانة أدّت، منذ تأسيسها عام 750هـ، رسالة جليلة في صون الموروث التراثي، مستحضراً العناية المتواصلة التي أولاها الملوك والعلماء والواقفون لإثرائها وتيسير مصادر العلم لطلابه. وأوضح أن المقتنيات المحفوظة اليوم تجسد عِظَم ما قدّمه النسّاخ والعلماء والأجيال المتعاقبة من رعاية أسهمت في انتقال هذا النتاج العلمي عبر الحقب التاريخية.
وتُعدّ خزانة القرويين إحدى أعرق المكتبات في العالم الإسلامي؛ إذ ترتبط بجامع القرويين الذي أسسته فاطمة الفهرية عام 245هـ (859م). وقد تبلورت بنيتها المؤسسية في العصر المريني، لتمتد مسارات توسعها وإثرائها المعرفي خلال العصور اللاحقة، حتى غدت مستودعاً رئيساً لأمهات الكتب في علوم القرآن، والحديث، والفقه، والفلسفة، والطب، والفلك، والتاريخ.
ورسّخت الخزانة مكانتها العلمية عبر حيازتها مخطوطات فريدة توثق حركة التأليف والترجمة والتداول العلمي في الحضارة الإسلامية، إلى جانب دورها في إمداد الباحثين بالمصادر وصون الذاكرة الثقافية للمغرب والعالم الإسلامي. وفي هذا السياق، نوّه الأمير تركي الفيصل بالقيمة الرمزية لإدراج مخطوطين من نفائس الخزانة في سجل برنامج «ذاكرة العالم» التابع لمنظمة «اليونسكو»، وهما: «الأرجوزة في الطب» لابن طفيل، والجزء الخامس من كتاب «العبر» لابن خلدون.
وبيّن سموّه أن هذا الإدراج الدولي يترجم الأهمية المعرفية للمخطوطين ويعكس كفاءة الجهود المغربية في حفظهما، لافتاً إلى أن الخزانة ما تزال تزخر بنفائس تستدعي مزيداً من البحث والتحقيق؛ من بينها نسختها النادرة من الترجمة العربية القديمة لكتاب «الأخلاق» لأرسطو، التي توثق دور الحضارة الإسلامية في نقل الفكر الفلسفي ودراسته.
كما أشاد سموّه بكفاءة منظومة الصيانة والترميم وجهود الكوادر المتخصصة في الخزانة، مؤكداً استعداد مركز الملك فيصل لتسخير خبراته العلمية والبحثية لخدمة هذا الصرح، لاسيما وأن المركز يمتلك رصيداً يتجاوز ثلاثين ألف مخطوط أصلي، ويحتضن «كرسي الكتاب العربي»، بوصفه أول كرسي بحثي متخصص من نوعه عربياً.
وأوضح الأمير تركي الفيصل أن الشراكة مع جامعة القرويين تستهدف إطلاق مشاريع بحثية وميدانية تشمل الفهرسة والتحقيق وتاريخ الكتاب العربي وتبادل الخبرات الفنية، مؤكداً أن رعاية مشروع فهرسة المخطوطات غير المفهرسة ستُمكّن الباحثين من الوصول المنهجي إلى خزائن القرويين، وتفتح آفاقاً جديدة لخدمة التراث الإسلامي وتحقيقه.
وجرى تتويج الزيارة بتوقيع اتفاقية التعاون رسميّاً بين مركز الملك فيصل وجامعة القرويين، وتبادل الهدايا التذكارية بين الجانبين.
واختتم سمو رئيس مجلس إدارة المركز كلمته بالتأكيد على أن هذا التعاون يجسد عمق العلاقات التاريخية والعلمية بين المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية، معرباً عن تطلعه لأن تُسهم هذه المبادرات المشتركة في خدمة العلم وحفظ الهوية الحضارية للأمة.



