الثقافي

فصاحة البيان ومعجزة القرآن

زينب بنت حمود الحبسية

نزل القرآن الكريم  على قومٍ بلغوا ذروة البلاغة والفصاحة، وتفننوا في النظم والنثر والشعر والخطابة، فكانوا أرباب لغةٍ وقادةَ بيان، يتباهون بفصاحتهم ويعلّقون المعلّقات على أستار الكعبة إعجابًا بصياغاتهم.

ومع ذلك، وقفوا عاجزين أمام كلام الله، مبهورين بإعجازه ونسقه وسحره البياني، فعرفوا أنه ليس من كلام البشر، ولا مما يمكن أن يأتي به شاعر أو كاهن أو حكيم.

وقد تحداهم الله في آيات كثيرة أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فقال سبحانه: (ُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) – سورة الإسراء، الآية (88).

ثم خفف الله عنهم التحدي درجة بعد درجة، فقال في سورة هود – الآية (13): (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)

ثم قال تعالى في سورة يونس – الآية (38): (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)

فما استطاعوا، وما قدروا، وما زادهم إلا إيمانًا أن هذا الكتاب العظيم من عند الله لا من عند البشر.

والإعجاز البياني في القرآن الكريم تجلّى في تنوع أساليبه، وثراء تراكيبه، ودقة مفرداته، وتناسق حروفه، حتى صارت كل آية تحمل في ذاتها موسيقى لفظية وإيقاعًا يملأ النفس مهابةً وخشوعًا.

فكلمة واحدة في القرآن قد تُحدث انقلابًا في المعنى لو غُيّرت، كما قال العلماء: “لو نُزعت كلمة من القرآن ووُضعت مكانها أخرى، لفسد المعنى كله”.

ومن بديع الإعجاز في لغته أن الحرف الواحد له موضع لا يمكن أن يستبدل بغيره دون اختلال في الإيقاع أو المعنى.
ففي قوله تعالى: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ) – سورة البقرة، الآية (137)،

اجتمعت ثلاثة ضمائر في كلمة واحدة بترتيب دقيق عجيب لا يمكن أن يُنظم بهذا النسق في أي لغة أخرى.

وكذلك في قوله تعالى: (وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ)

في آية واحدة جمع الله بين القوة والتمام والرهبة، في لفظتين قصيرتين أوجزتا قصة طويلة من الأمر الإلهي والطاعة الكونية.

وهذا من أوجه البلاغة والإعجاز التي لم يعرف مثلها في كلام البشر.

وقد أدرك العرب هذا الإعجاز منذ اللحظة الأولى، فقال الوليد بن المغيرة بعد أن سمع آيات من سورة غافر: “والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه، وما هو بقول بشر.”

ومن وجوه الإعجاز أيضًا:

أن كل لفظ في القرآن جاء في موضعه المناسب، فلا تجد في آيات الرحمة ما يناسب آيات العذاب، ولا في آيات الوعيد ما يناسب آيات النعيم، بل تنسجم الألفاظ مع المعاني انسجامًا بديعًا يشهد على أن المتكلم به هو خالق اللغة ومدبر الوجود.

ويكفي أن نتأمل قول الله تعالى في سورة النور – الآية (35): (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)

هذه الآية وحدها جمعت بين الجمال التصويري والنور المعنوي والبيان اللغوي، حتى قال عنها بعض المفسرين: “هي آية النور في المعنى والحقيقة.”

والمتأمل في لغة القرآن يدرك أن الإعجاز لا يقف عند حدود البيان اللفظي، بل يمتد إلى المعنى والمبنى معًا، وإلى التناسب العجيب بين الكلمة والموقف، والصوت والمعنى، والظاهر والباطن.

فكلمة (انفطر) مثلًا في قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ) – سورة الانفطار، تدل على انشقاقٍ تدريجي لطيف، بينما قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ) – سورة الانشقاق، يدل على انفتاحٍ عنيفٍّ فجائي، فاختيار اللفظ في كل موضع جاء بدقة متناهية تعبّر عن طبيعة الحدث الموصوف.

وهكذا يتجلى الإعجاز القرآني في كل حرفٍ وآية، لتبقى اللغة العربية مَهوى البيان الإلهي، وسرّ الخلود في كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيمٍ حميد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى