
بعد فجر جديد و ليس كأي فجر ،جئتُ من قريتي مع أبي مسرع الخطى ، ولم يتجاوز عمري ست سنوات. تلك أول مرة أبصر فيها موجة زرقاء تلتطم بصخرة بالقرب من برج الصيرة، وأول مرة تلامس قدماي النحيلتان رمال ساحل قريات الناعمة، وأول مرة أرى (الحويريات) النوارس البيضاء ترفرف بأجنحتها كأنها تحتفي بقدومي .
اتكأتُ على”هوري” قارب خشبي صغير ، وافترشت الأرض على “عرق” تل رملي يطل على البحر. فإذا بنورس وحيد يقترب مني، كأنه يبحث عن حضن أمه التي غابت في رحلة صيد. ظللت أرقبه مأخوذًا بجماله، حين ناداني أبي بصوته الحنون: “هناك… على ساحل قريات الرملي، ستجد مدرستك الأولى.”
لكن عينَي ظلّتا معلّقتين بموجة ترتطم بصخرة قرب الصيرة، كأنها تنشد لي أغنية لم أفهم معناها بعد.
وما هي إلا لحظات حتى تناهت إلى مسامعي أصوات أطفال يمرحون ويلعبون . شدَّ أبي على يدي وهمس: “هناك، تحت تلك الخيمة المنصوبة، ستبدأ رحلتك مع العلم.”
دخلتُ مع مجموعة من الأطفال فجلستُ بجوار طفل من أبناء الساحل يكبرني قليلًا، يتهامس مع زميله فيقول له “جعد هنيه” أي اجلس هنا، فيما كان قلبي يخفق بقوة. وفجأة دوّى صوت جرس يدوي لم أسمع مثله من قبل ، وما هي إلا لحظات حتى دخل معلم اللغة العربية بهيبة ووقار ، ثم ارتفع صوته الحازم، ورسم على السبورة الخشبية كلمات متفرقة وارتفع صوته بحزم لنردد معه الحروف الهجائية فردّدناها خلفه كمن يخطو أولى خطواته في عالم جديد مجهول.
كنتُ أجلس على طرف” حصير” بساط من السعف، ألتفت بين الحين والآخر إلى الباب، فأرى أبي واقفًا ، يتابع بعينين تلمعان بالفخر والدعاء.
وعند الاستراحة عدت إلى القرب من موجة تعانق صخور الصيرة لأرسم على حبات الرمل الناعمة بأصابعي الصغيرة خطًا تلو خط، حتى ارتسم شكل يشبه القوس . ابتسم أبي من بعيد وقال: “هذا أول حرف من اسمك.”
لكنني لم أكمل، حتى قطع معلم الرياضة شرودي .
قرع الجرس مجددًا، فارتجف قلبي قليلًا، ثم التقطت أنفاسي، وإذا بمعلم الرياضيات يدخل مسرعًا، وفي يده مجموعة من الوسائل التعليمية البسيطة ،أخذ يردد الأرقام: ١٠، ٢٠، ٣٠… وفي تلك اللحظة تسللت بي الذاكرة إلى امرأة في قريتنا تبيع قطع الحلوى أمام بيتها، كانت تطلب مني أن أجمع معها النقود: ٥، ١٠، ٢٥ بيسة، مقابل قطعة شوكولاتة صغيرة كنت أنتظرها بشغف. وقفز إلى ذهني طَناء النخيل حينما كنا صغاراً كالعصافير نجري خلف “الدلال” الذي كان ينادي بأعلى صوته: “١٠… ٢٠… ٣٠… ٤٠… .
نادى بأعلى صوته معلم الانشطة الرياضية وفي يده الجرس معلنًا نهاية اليوم الدراسي فاندفع التلاميذ مسرعين، أما أنا فبقيت أبحث بعيني عن وجه واحد… فلم أجده إلا هناك، وجه أبي. كان يبتسم لي ابتسامة جعلتني أشعر وكأنني ملكت الدنيا وما فيها. أبي… الذي أوصلني إلى مدرستي الأولى بساحل قريات ، لأبدأ أول يوم دراسي ظل مشرقًا في قلبي ما حييت.


