الثقافي

“الفراغ”.. العقاب الخفيّ.. من التمكين إلى التهميش

عادل بن سالم الحمداني – إعلامي وروائي

مرت عليّ عباراتان، إحداهما نسبت للروائي محمد شكري يقول فيها: “على المرء أن يبقى مشغولا للحد الذي يلهيه عن تعاسته” والأخرى نسبت للكاتب غازي القصيبي يقول فيها: ” العمل لا يقتل مهما كان شاقا، ولكن الفراغ يقتل أنبل ما في الإنسان”.. عباراتان تقودان إلى فكرة أن “الفراغ” يضخم المشاعر والعواطف والألم وبالتالي يمكن أن يكون العدو الحقيقي للإنسان.

الإنسان مطالب – وفقا لذلك – بالإنشغال بشيء أو أشياء تبعده عن دوامة تخبطات المشاعر والعواطف وتنسيه ما يمر به من آلام، لكنني وجدت نفسي أتساءل ماذا لو كان الإنسان مجبرا على ذلك “الفراغ” وإلى أي مدى يمكن أن يكون عبئا نفسيا خفيا لا يقدر على تحمله الكثير منا؟. من المؤسف جدا أن يستخدم “الفراغ” الإجباري كسلاح خفي في بعض بيئات العمل، بالتجاهل والعزل والتجريد من مهام حقيقية، تحت أي مبرر كان. عقوبات غير مبررة أثارت العديد من علامات التعجب.

ولأن الموضوع هذا مليء بالغموض اندفعت للبحث أكثر في تفاصيله. أولا لمعرفة كيف يمكن أن يؤثر “الفراغ” المتعمد على الإنسان نفسيا وجسديا. وثانيا لفهم “الفراغ” كأداة عقاب غير مباشرة في بيئات العمل. وكذلك معرفة ما يمكن أن يسببه من تدمير ليس فقط على الشخص “المفرغ” بل على المؤسسة التي “فرغته” وعلى موظفيها الآخرين.

تفاجأت بما وجدت في عملية البحث هذه. عندما يجد المرء نفسه في “فراغ” طويل يبدأ في الشعور بأنه بلا قيمة في مؤسسته مهما كانت تضحياته السابقة وإنجازاته التي حققها في السنوات التي سبقت. يقوده ذلك للشعور بالنقص وفقدان الثقة بالنفس، وفقدان الحافز للتطور في عمله، ويتولد لديه شعور بأنه غير مرغوب فيه، وكأنه عبء لا تعرف المؤسسة كيف تتخلص منه. ليس ذلك فحسب بل يشمل التأثير النفسي ل”الفراغ” انفصال الموظف عن نفسه، وفي وقت ما تتدهور صحته العقلية بحسب بعض الدراسات.

ولأن العامل النفسي مرتبط بالطاقة الجسدية، فالجسد يستجيب لما يؤثر على الحالة النفسية للإنسان، لذا فإن الدوامة تكبر فيصاب “المفرغ” قهريا بالكسل والتوتر العضلي والأرق أو ربما النوم المفرط كردة فعل عكسية، وفي بعض الحالات يسبب ذلك ضعف المناعة وتدهور الصحة العامة.

من المهم هنا عدم إنكار حقيقة لجوء بعض المؤسسات ل”الفراغ” كوسيلة عقاب أو الإقصاء، أيا كانت المبررات والأسباب، دون حاجة تلك المؤسسات لخطوات إجرائية واضحة فتبدأ بتقليل المهام الموكلة للموظف حتى تصل إلى مرحلة عدم القيام بأي دور فعلي. كما تلجأ لاستبعاده من اجتماعات العمل والمشاركة في اتخاذ القرار. وفي حالات أخرى تبقي الموظف في منصبه الإداري مع حرمانه من أي عمل فعلي، وهو ما يذكرنا بشخصية “جمعة في مهب الريح”.

لجوء بعض المؤسسات ل”الفراغ” الإجباري في بعض الحالات ناتج عن رغبتها في عدم الدخول في دهاليز التكاليف القانونية للفصل المباشر، وربما تأمل في أن يقع الموظف في خطأ ما أو أن يندفع من تلقاء نفسه للاستقالة وبالتالي يغنيها عن أي تبعات مالية. كما أنها تلجأ لهذه الطريقة باعتبارها وسيلة تأديبية ناعمة للضغط على الموظف. وأيا كان الأمر تتناسى تلك المؤسسات حقيقة أن هذه الممارسة تخلق بيئة عمل غير صحية فتنتشر ثقافة الخوف ويرتفع مستوى عدم الأمان الوظيفي لدى بقية الموظفين وبالتالي يقل ولاءهم المؤسسي، ويتراجع أداءهم العام.

الموظف الواقع عليه “عقاب الفراغ” لابد أن يحول ذلك “الفراغ” إلى فرصة لينمي قدراته ومهاراته في أي جانب كان. قبل ذلك عليه أن يعي واقعه وعدم الوقوع في فخ جلد الذات. عليه أن يستثمر وقته في تعلم مهارات جديدة ويوسع شبكته المهنية ويبحث عن مصادر أخرى لتوظيف قدراته حتى لو كان عن طريق العمل التطوعي في المؤسسات التي تفتح ذراعيها للتطوع.

أغلب الدراسات التي تناولت هذا الموضوع تطرقت إلى أهمية مسألة التعامل الذكي من قبل الموظف مع إدارات مؤسسته، لكن تلك المهارة من وجهة نظري تتطلب قدرة تحكم ونفس طويل في التعاملات اليومية، فلن يقتصر الأمر على جلسة حوار ودية ولا مناقشات قد تكون عقيمة، فحين تلجأ أي مؤسسة لتلك الطريقة تدرك الهدف الذي تريده وبالتالي لن تعدم السبيل لتحقيقه. كما تتحدث بعض التجارب عن انتظار فرصة بديلة قبل اللجوء للاستقالة، وليست كل الفرص مرمية على قارعة الطريق، فقد تأتي فرصة بعد وقت طويل، وقد لا تأتي الفرصة المنشودة إلا بعد أن يستنزف الموظف طاقته الجسدية والنفسية.

في كل الأحوال، أفضل نصيحة وجهت لمن وقع في هذه الدوامة العقابية تتمحور حول أربعة عناصر: الانتظار السلبي يزيد الطين بلة، التخطيط السليم للخروج من الوضع، عدم التردد في طلب الدعم النفسي سواء من مختصين أو من قبل أشخاص ذو ثقة، وأخيرا، استغلال الفراغ للتطوير عوضا عن الندم وتقمص دور الضحية.

هل هناك ما يمكن عمله لحماية موظفي المؤسسات من ذلك “العقاب التأديبي” كما تمارسه بعض المؤسسات؟ سؤال يحتاج للبحث فيه بشكل معمق. هناك قوانين عديدة تغطي جوانب مختلفة من حياتنا اليومية ليس لها آخر، لا يتسع المجال لها هنا. لماذا لا يكون هناك بند في إحدى تلك القوانين يضمن حق الموظف من “التفريغ العقابي”؟ لماذا لا تكون هناك قناة آمنة لتلقي شكاوي الموظفين ضد هذه النوعية من الأساليب؟ لماذا لا تكون هناك رقابة لإداء المسؤولين الذي يسحبون صلاحيات ومهام موظفيهم؟ لماذا لا توجد مساءلة عن وضع بعض الموظفين لمعرفة دوافعها ومبرراتها ومنطقيتها؟ لماذا لا تغطي الورش التوعوية جوانب التعريف بالحقوق والواجبات سواء للموظفين العاديين وللمسؤولين أصحاب السلطة؟.

اسئلة لا تنتهي تدور في فضاء هذا “الفراغ”. اسئلة تبحث عن إجابة، عن حل، عن تقصي، عن وعي بالآثار الناجمة عن “الفراغ”.

في الأخير.. عن قناعة يمكنني القول أن المؤسسة التي تستخدم “الفراغ” كسلاح ضد أحد موظفيها هي مؤسسة لا تمتلك الشجاعة الكافية لإثبات أنها على حق من عدمه. وهي مؤسسة طاردة للكفاءات، ترسم لنفسها صورة مظلمة قاتمة. إلى جانب ذلك تشوه مفهوم العدالة المهنية. أما من يقع عليه ذلك “الفراغ” – وقد يكون أي واحد منا – فليس أمامه إلا التحصن بإشغال نفسه بأية أعمال يختلقها، كالاشتغال بالكتابة أو القراءة، وأن يملأ فراغ وقته خلال العمل بتنمية مهاراته في جانب ما أو اكتساب معرفة تنفعه. المهم أن لا يقع في الفخ، ولا أن يطأطئ رأسه لمقصلة الصمت الإداري.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى