الخوفُ كلمةٌ قصيرة، لكنّها تسكن العمرَ كلّه. كلّما حاولت أن أطردها من رأسي، وجدتُها تختبئ في قلبي، في ارتجافةِ يدي، في النظرةِ التي تسبق النوم.
أنا لا أخاف من الظلام فحسب، بل من الضوء أيضًا…فالضوء يُعرّي أكثر مما يُنير، يكشف ما نحاول إخفاءه تحت ستار الطمأنينة، ويضعنا وجهًا لوجه أمام هشاشتنا.
في كلّ ليلة، حين ينام الجميع، أجلسُ في الصالة أمام مصباحٍ صغيرٍ خافت، كأنّما هو آخر ما تبقّى لي من العالم.
أفكّر… وأخاف.
أخاف من الغد، من الأيام التي تأتي بلا وعود، من الغلاء الذي يطاردني حتى في أحلامي، من عجزٍ قد يسرق مني قدرتي على أن أكون السند لأطفالي. أخاف أن أستيقظ يومًا فلا أجد ما أقدّمه لهم، لا دَفءَ بيتٍ، ولا كرامةَ عيش.
الخوف ليس وحشًا يأتي من الخارج، بل فكرةٌ صغيرة تكبر في الداخل حتى تُصبح بحجم السماء.
هو ذلك السؤال الذي يوقظني قبل الفجر:
ماذا لو لم أعد قادرًا على تأمين حياةٍ كريمةٍ لهم؟ ماذا لو احتاجوني ولم أكن هناك؟
أخاف من الفقدان…
من أن يرحل أحدهم قبل أن أقول له كم أحبّه.
من أن أغيب أنا، وتبقى وجوههم الصغيرة تبحث عنّي في الصور القديمة.
أخاف من الوقت، من صمته الثقيل، من ساعاته التي تمشي إلى الأمام دون أن تلتفت إلى من يتعب خلفها.
حتى النور أحيانًا يُخيفني.
النور الذي يتسلّل من النافذة مع الصباح، يُذكّرني بأنّ يومًا آخر بدأ، وأنّ عليّ أن أكون قويًّا من جديد.
لكن ماذا لو لم أستطع؟
ماذا لو سقطت في منتصف الطريق؟
الخوف لا يحتاج سببًا واضحًا…
يكفي أن تفكّر قليلاً بما يمكن أن يحدث، ليبدأ القلب بالارتجاف كطائرٍ فقد جناحه.
أفكّر في المستقبل كثيرًا، أكثر مما يحتمل القلب.
أخاف من الغياب، من المرض، من الفقر، من الخطأ، من القرار الذي لا رجعة فيه.
أخاف من أشياء لا أعرفها، ومن أشياء أعرفها جيّدًا.
أحيانًا، أسمع أصواتًا داخليّة تهمس:
“اهدأ، لن يحدث شيء.”
لكنّ الصوت الآخر يردّ بمرارة:
“وهل الخوف يحتاج إلى أن يحدث شيء؟ إنّه يعيش على الاحتمال.”
أتساءل: ما هو الخوف حقًّا؟ هل هو العدوّ الذي يجب أن نحاربه؟ أم المرآة التي تُرينا كم نحن ضعفاء حين نُحبّ أحدًا؟
الخوف علّمني أنني أحبّ أكثر مما أُظهر، وأقلق أكثر مما أقول.
علّمني أن القوّة ليست في الصمود، بل في الاعتراف بالارتجاف.
وأنّ الأب الذي يبتسم أمام أطفاله، وهو يُخفي خوفه من الغد، هو بطلٌ لا يعرف أحدٌ بطولته.
الليلة، أطفأت المصباح، وجلستُ في العتمة. لم أهرب من الخوف، تركته يجلس إلى جواري، كصديقٍ قديمٍ لا يريد الرحيل.
نظرتُ إليه وقلت: “اعذرني إن لم أطردك… فأنت الذي تُبقيني حيًّا.”
ثم أغمضتُ عيني، وسمعتُ صوته يهمس من أعماقي:
“أنا لست ضدّك… أنا الذي أذكّرك بأنّك ما زلت تشعر.”



