الثقافي

عُمان… تاريخ بحري وحضاري يذهل العالم

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

منذ فجر التاريخ الإسلامي، كانت عمان أمة البحر والحكمة والسيادة. لم تكن سواحلها مجرد أراضٍ، بل كانت بوابة للعالم، ومركزًا للعدل، والحضارة، والرسالة الإسلامية. لقد أبحر العمانيون في الموج، حاملين راية الدين والكرامة، من سقطرى إلى الهند، ومن شرق إفريقيا إلى الصين، ووصولاً إلى سواحل بيرو وأمريكا، ليتركوا آثارًا تدهش العقول وتخضع القلوب.

نصرة سقطرى… درس من دروس البطولات العمانية.

في عام 880م، واجهت جزيرة سقطرى خطر الغزو من النصارى الأحباش. لم يتردد الإمام الصُّلت بن مالك الخروصي في إرسال أسطول عُماني، فاستعاد الجزيرة وأعادها إلى حضن عُمان.

لم يكن ذلك مجرد نصر عسكري، بل رمزًا للعدل الإسلامي والحماية للبشرية من الظلم. وقد خلد التاريخ هذه الواقعة، وأشادت بها الأشعار والفخر العماني.

الهند وجوا… تطهير البحر من استعمار البرتغاليين

حينما كانت مدينة جوا مركزًا للبرتغاليين، انطلقت السفن العمانية لتطهير السواحل. كانت المعارك صعبة، لكن الشجاعة العمانية والتخطيط الدقيق أنهكا العدو، وأثبت العمانيون أنهم أسياد البحر.

أما تفاصيل كيف تم تخطيط وتنفيذ الهجوم العماني وتعاون أهل جوا ، فإن ذلك ما ننتظره ، من استاذنا الشيخ المجيد والباحث في التاريخ العماني حمود بن حمد بن جويد الغيلاني والذي يعكف على تقصي ذلك.

وإننا نتفكر كيف كان نابليون بونابرت قلقاً وخائفا من العمانيين من أن يغزي مصر ، حيث آثر إلا أن يبعث قنصلاً خاصاً يحمل رسالة الى عمان يبرر فيها مقاصده لدخول مصر بحراً بعد معركة إمبابه المعروفة ، إلا ان تلك السفينة صادرها الإنجليز نظراً لتنافسهم مع الفرنسيين للسيطرة على المحيط الهندي ومصادرة الرسالة الموجهة الى الإمام دعا نابليون إمام عمان إلى التحالف ضد الإنجليز، حيث يرى في عمان شريكًا استراتيجيًا للحملة الفرنسية .

* ‘أصبحت الرسالة اليوم جزءًا من المجموعات المعروضة في المتحف البريطاني، وتعد وثيقة تاريخية هامة لدراسة العلاقات الفرنسية العمانية في تلك الفترة.”

شرق إفريقيا… من ممباسا إلى زنجبار ومدغشقر

استجاب العمانيون لنداء سكان الساحل الشرقي لإفريقيا ضد الغزاة، وأعادوا الأمن والاستقرار.

أسسوا إمارات في مدغشقر، جزر القمر، وزنجبار، وجعلوا منها امتدادًا طبيعيًا لعُمان، من الرستاق ونزوى وصحار ومسقط.

كانت السفن العمانية تُحمل العدل، والتجارة النزيهة، والدعوة، وتجعل الموانئ الإفريقية مزدهرة بالعمران والثقافة.

الصين… وأثر الأخلاق العمانية على التجار والموانئ

وصلت السفن العمانية إلى سواحل الصين، حيث تأثر التجار الصينيون بـأخلاق العمانيين في الصدق والأمانة والصبر على البحر. لقد أصبح تواصل عُمان مع الصين مثالًا على التجارة الحضارية الأخلاقية.

الأمريكيتان… من المحيط الهادئ إلى كولورادو

تجولت السفن العمانية في المحيط الهادئ، حتى سواحل بيرو. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن النقوش والصخور في ولاية كولورادو تطابق الحروف والكلمات على سواحل عمان.

لقد ترك العمانيون آثارًا بحرية وتاريخية تثبت صبرهم، وحزمهم، ورباطة جأشهم في مواجهة الأعاصير والبحر المفتوح، حتى غلبوا “جن البر والبحر والحو” كما يقول المؤرخون.

إن عُمان وأهلها أمة التاريخ والمجد والهيبة.

من سقطرى إلى جوا، ومن زنجبار إلى مدغشقر، ومن الصين إلى بيرو، حافظ العمانيون على سيادة البحر والعدل والحضارة.

من يطالع تاريخهم يشعر بالدهشة، ومن يعرفهم يشعر بالعزة، ومن يحسدهم يحترق قلبه أمام حقيقة لا يمكن إنكارها: عُمان وأهلها صنعوا تاريخًا لا يعاد، وعلمًا وكرامةً وبحرًا يذهل العالم، ولا يسعني ككاتب وبحار سابق إلا أن أقول:-

‘إنَّ التاريخَ العُمانيَّ بحر غداقّ مجيدٌ، وقد اتخذَ بحرُ العربِ من صفحاته حِبرًا، فصارَ محيطًا لا يُدركُ قعرُهُ أحد.

ولقد فاضَ هذا البحرُ على الأرضِ العُمانية، وتجاوز حدودَها الجغرافية، فارتوى من كرمهِ كلُّ من شارك العُمانيين موائدهم، أولئك الذين لم يكن لهم من التاريخ إلّا التحلّقُ حول كرمِ أهلِ عُمان في السِّلم، وشدّتِهم في الحرب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى