أرشيف الشيخ علي بن عيسى الزدجالي يكشف ملامح الحياة الاجتماعية والسياسية في سلطنة عُمان
مسقط: التكوين
صدر حديثًا الجزء الأول من الكتاب التوثيقي التاريخي “صورة المجتمع العُماني من أرشيف مراسلات الشيخ علي بن عيسى الزدجالي (1312هـ/ 1894م – 1387هـ/ 1967م)” بعنوان “المراسلات السياسية والإدارية”، للباحث الدكتور محمد بن حمد العريمي، وبمتابعة وإشراف سمير بن علي بن عيسى الزدجالي والدكتور سعيد بن علي بن عيسى الزدجالي.
ويرصد العمل جانبًا موثقًا من تاريخ ولاية صور والمجتمع العُماني خلال النصف الأول من القرن العشرين. ويستند إلى الأرشيف الخاص للشيخ علي بن عيسى الزدجالي، الذي وُلد في منطقة “المخرمة” (نعمة) بولاية صور عام 1894م بحسب جواز سفره، وعاش حياة اليتم والاعتماد على الذات، ليغدو شخصية محورية لعبت أدوارًا بارزة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقضائية بالمنطقة.
يتوزع هذا المشروع التاريخي الشامل على جزءين رئيسين؛ يركز الجزء الأول الصادر حاليًا على التعريف بشخصية صاحب الأرشيف، إلى جانب محوري المراسلات الإدارية والسياسية عبر أربعة فصول، بينما يُخصص الجزء الثاني للمجالات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. وتعتمد المادة العلمية للجزء الأول على تحليل عينة تضم 400 وثيقة شملت الفترة المتمدة بين عامي 1940م و1967م، تم اختيارها بعناية من بين نحو 6000 وثيقة متبقية من الأرشيف الذي كان يحوي زهاء 22 ألف رسالة ومخطوطة تعرض أصلها للتلف بفعل الأنواء المناخية عام 2007م.
وتكشف الوثائق الإدارية والسياسية المضمّنة في الكتاب عن تفاصيل دقيقة في هيكلية إدارة الدولة؛ كقرارات التعيين، وتنقلات الولاة والقضاة، وكشوف الرواتب والمقاطع الإدارية، وآليات التواصل بين إدارة الشؤون الداخلية والموظفين المحليين. كما ترصد الوثائق التطورات السياسية المحلية في فترة الخمسينيات، والعلاقة بين السلطنة والإمامة، والمراحل الأولى لعمليات التنقيب عن النفط، وقضايا القبائل. وتسجل المراسلات الخارجية تفاعل العُمانيين مع القضايا الإقليمية والدولية؛ مثل أحداث الحرب العالمية الثانية، والقضية الفلسطينية، والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956م.
ويُبرز الكتاب شبكة العلاقات الممتدة التي جمعت الشيخ علي بن عيسى بكبار رجالات الدولة وأعيان المجتمع العُماني، ممن تكررت أسماؤهم بكثافة في الأرشيف؛ وفي مقدمتهم السلطان سعيد بن تيمور، والسيد أحمد بن إبراهيم ناظر الشؤون الداخلية، والسيد ماجد بن تيمور والي صور، والسيد سعود بن حرب والي صور، والشيخ خالد بن علي آل حموده، والشيخ سالم بن حامد البوسعيدي والي الكامل وقتها، والسيد محمد بن أحمد البوسعيدي، والشيخ محمد بن عبدالله السالمي (الشيبة)، والشيخ حمد بن سليمان الحارثي، والشيخ حمد بن خلفان البلال المخيني، إلى جانب عدد من التجار والنواخذة والأعيان مثل الشيخ سالم بن ناصر الفارسي، والتاجر سالم بن عبدالله بهوان، والشيخ موسى بن عبدالرحمن حسن، وخميس بن سعيد السنيادي، وخلفان بن سالم الجابري. وتعود كثافة هذه المراسلات إلى القرب الاجتماعي، وتداخل المسؤوليات الإدارية، واعتماد ولاة صور المتعاقبين على الشيخ علي بن عيسى في تنظيم الشؤون المحلية واللوجستية.
وحول المنهجية التحليلية، حرص الباحث على شرح المفردات باللغة الدارجة وترجمة المصطلحات القديمة، مع تقديم التعريفات السيرية للشخصيات الواردة وإفراد تحليل شامل نهاية كل فصل. وتطرق الكتاب إلى التحديات التي واجهت الباحث؛ وفي مقدمتها فقدان المراسلات السابقة لعام 1940م والتي توثق لعقدي العشرينيات والثلاثينيات، وتداخل المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الوثيقة الواحدة، إلى جانب التعامل مع الحساسية التاريخية لبعض المراسلات المتعلقة بالنزاعات القبيلية والجرائم؛ حيث تم الاتفاق مع أصحاب الأرشيف على عدم الإشارة إلى تلك المراسلات حفظًا للسلم الاجتماعي مع الاعتراف بأهميتها التاريخية.
تأتي هذه الدراسة ثمرة لمبادرة أهلية واعية قادها أبناء الشيخ علي بن عيسى الزدجالي منذ مطلع الثمانينيات؛ حيث عملوا على جمع الرسائل وفرزها وترقيمها وحفظها، واكتمل هذا الجهد بتسليم نسخ من الأرشيف إلى هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، لتكون متاحة للباحثين والمهتمين بتاريخ سلطنة عُمان والمنطقة.
