نظرتُ اليوم نظرًا متأملًا في فعل بُستاني يُقوّم شجيرات من شجر الظلِّ بعارضتين، يجعلهما في الأرض حذو الغصن الغض، ويُوثق بينهما الغصن بحبال يشدهما، حتى لا يميل الغصن الغضيض فينبت معوجًا، ومن عجب إنْ لم يقم البستاني بذلك الفعل على الوجه السليم، قاد العَوَجُ الغصن إلى الانحناء، وقاد الانحناء لكسر الغصن الذي سيغدو شجرة، ولا شك عندي أن العوامل الطبيعية من رياح وعواصف وأتربة، تضرب ذلك الغصن يمنة ويسرة بغية ثنيه ولربما كسره. وفي ذلك ما في الأسرة التي تُعنى بولدها، فالوالدان الصالحان يوثقان عرى وليدهما حتى لا تميل به شهوات النفس.
وما العارضان اللذان أوثق بهما البستاني غصن الشجرة، إلا الوالدان، فالأم من جانب تقوم بدفع ولدها بمكارم الأخلاق، وتبذر في نفسه بذرة الخير حتى إذا أشتد ساعده واستقام عوده، لم تثنه المغريات، والدعامة الثانية، والده يشمله بالرعاية والتأديب، ويُخَلِّقَهُ بمحاسن الشيم، ويُقوي قلبه وبدنه، ويُعِدُّهُ لصروف الحياة، ويزجره عن طريق الشرّ، وهو بذلك يُقوِّم المجتمع بتقويم ولده، فيعطي بذلك قوة للجماعة، ومنعة للأهل والعشيرة، ويدرأ سوء الميل والسقوط والانكسار.
وإن شئت فقل إن العارضان هما: البيت – والمجتمع، فالبيت يذرأ الناشئة الطيبة، ويقوم عليها بالعناية، ويُوجبها بالطاعة الحميدة، ويكون لنفس الطفل السَكن والرَّاحة، ومنطلق الآمال، ويرى الولد في أبويه كمال أحلامه، فيبرهما كبيرًا كما ربياه صغيراً، ويوقد أصابعه شموعاً لهما في شيخوختهما، كما قاما بذلك وهو بعد غر. والعارضة الثانية هي: المجتمع، الذي يباهي بكريم الخصال الحميدة، وينهى المرذول إن رآه يقع في الغواية، ويتبع سُبل الضلال، فتكون عين المجتمع عينٌ مكملة لحسن ما وضع الأبوان في بذرتهما، وهو بذلك يَمْتَحُ من قوة الشباب، ويُفيد من طاقة الشبيبة، فتعلو الأمة، وتفاخر بمنجزات أبنائها، وبذلك تحصد مما زرعت، وتنال حسن ما صنعت.
وفي زماننا المعوجِّ هذا اعوجاج الظل المنكسر من عود مائل، وجب أن ننبه لهذه القيم التي ما عادت تجد عناية لا من الآباء، ولا من المجتمع والدولة التي شُغلت بتحصيل رغيد العيش؛ دون الانتباه إلى فسيلة الأبناء، وذلك أمرٌ لابد وأن يوضع ضمن منهجية علمية مدروسة، تراعي مكونات الأسرة القادرة على تحمل المسؤولية، ومن ثم الانتباه لوسائل الإعلام المختلفة، والنظر في المُنتج الفكري والثقافي الذي يُنشر على الوسائل الحديثة، ولعلّ تجربة دولة الصين تُعين في ذلك، فهي تقوم بحظر المحتوى المنتشر على المنصات الإعلامية كافة، وتقييده، ومن ثَمَّ تمحيصه وتدقيقه، ورغم المخاطر الاقتصادية المترتبة على هذه التقييد على الدول والمجتمعات في الوقت الراهن، إلا أن تبعات الوثوق في محتوى هذه المنصات سيعود بوبال يتهدد وجود المجتمع والدولة على المدى البعيد. ولا جَرَم أن نرى فتيان اليوم يتمايلون مع كل مائلة وعليلة، ويسقطون في أصغر اختبارات حقوق الوالدين، وتلك تُوجب علينا الصحوة وإدامة النظر في تربيتنا، قبل الفوات.
لا بأس أن تتكون إدارة من الدولة والمجتمع، تضع منهجيات فكرية، وجرعات تربوية جديرة بالاتباع من الشباب ممن جاوز من العمر العاشرة، فتكون هذه الجرعات، وافية، شافية، تضع الناشئة على صراط التفكير، وإِعْمَالَ الفكر، والنظر في كل ما يَعرض لهم في وسائل التواصل الاجتماعي، وتقوي عندهم ملكة القراءة والاطلاع، وتحفزهم للفلسفة والبحث والتساؤل، حتى يكون الفتى والفتاة ممن لا يُخاف عليه من المؤثرات الفكرية الدخيلة، وأصحاب السوء.
ولابد من غرس قيم الآباء الحميدِ منها، والحفاظ على الموروث المجتمعي من حسن العادات، وجميل التقاليد، وذلك بقولبته في قالب حداثي شائق يجذب نباهة الصبية والصبيان، ويحثهم على الاتباع القويم، وهذا لا يتأتى إلا بالاستعانة ببيوتات الخبرة التي تبرع في التنقيب عن هذه الموروثات، من كبار السن وحفظها وترجمتها بلغة تجمع بين الجيلين وتقرب الفجوة، ولا غرو أن نسمع كبار السنِّ يقولون بزفرة عن زمانهم السالف: “جيل الطيبين”، وهي كلمة خلوة من المعنى فكل زمان طيبٌ إن طابت نفوس الناس، وتداول الكبار محاسن زمانهم على آذان أبنائهم، وكل زمان رديءٌ إن تباطأ فيه الآباء والأجداد عن القيام بدورهم المُناط بهم، وتكاسل الأبناء عن تتبع آثار أجدادهم.
ولا حسن لختام القول: إلا أن تتضافر الجهود، وتتكامل الجسور بين – الأسرة والمجتمع، والدولة، فتجترح بذلك طريقًا يُقَوِّم ما أعوجَّ من بنان الناشئة، فتنعم الإنسانية وتربح البشرية.
محمد عيسى جقدول..
الثامن من أغسطس 2023




صدقت قولا الوالدان اساس صلاح الابناء ان فسدت تربيتهم سيعاني من المجتمع من انعكاسات سوء تربيتهما