النصوص

ارخبيل الوقت

إبراهيم المنسي ، مملكة البحرين

 

كان يعتقد أن الوقت نهرا… لكنه اكتشف متأخرًا أنه أرخبيل، جزر صغيرة من اللحظات، تفصل بينها مساحات شاسعة من النسيان.

في صغره، كانت الأيام طويلة كأنها لا تنتهي.

الضحكات، الفوضى، ركض القدمين في الأزقّة… كلّ شيء محفوظ في جزيرة لا يعرف كيف يصلها الآن.

حين كبُر، صار يركض هو… خلف الحافلة، خلف الراتب، خلف موعدٍ تأخر عنه، خلف وعدٍ لم يلتزم به.

كلّ ما حوله يسرع، إلا قلبه… ظلّ عالقًا هناك، في لحظة لم يعرف أنها الوداع.

الوقت لا يُرى، لكنه يُترك.

لهذا كان يحمل معه دفترًا صغيرًا، يكتب فيه كل يوم شيئًا لا يريد نسيانه:

اسم، شعور، رائحة، مقطع أغنية… أي شيء يُثبّته في جزيرة جديدة.

التقى بها صدفة في مكتبة.

سألته: “ما الذي تكتبه دائمًا؟”

قال: “أكتب الوقت، قبل أن يهرب.”

ضحكت وقالت: “الوقت لا يُكتب، يُعاش.”

أغلق دفتَره وأجابها بهدوء: “لهذا أكتبكِ الآن.”

كان يحبّها كما يحبّ المرء لحظة الغروب… يعرف أنها لن تدوم، لكنّه لا يقدر على تجاهلها.

لكنّها غادرت. ليس لأنّها أرادت، بل لأن الحياة كانت أعظم من رغباتهم الصغيرة.

وبقي دفتره، ينمو فيه أرخبيل الوقت، كل صفحة جزيرة، وكل سطر مرساة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى