
غادر قريته مع الثلث الأخير من الليل، يسير بخطى مثقلة بعناء الطريق وأحلامٍ مؤجلة. كان يأمل أن يصل مع بزوغ الصباح، لعلّ يومه يحمل بشائر طال انتظارها. جلس تحت شجرة يراقب عقارب الساعة حتى دقت الثامنة، تسلّل بين الزحام في أروقة قسم التوظيف، يتتبع أوراق طلبٍ أرهقه طول الانتظار.
جلس على كرسي خشبي ضيّق ينتظر دوره، فإذا برائحة القهوة تنبعث من أحد المكاتب المجاورة. تسللت إلى صدره كنسمة فجر بعد سفر طويل وانتظار أنهك قلبه. نهض متلفتًا، يبحث بعينيه عن مصدرها، حتى لمح العامل يوزع فناجين قهوة الصباح على الموظفين. اقترب منه وطلب فنجانًا، فصب له الأول دون تردد. جلس في زاوية قريبة، وما إن بدأ الرشفة الأولى حتى مرّ المدير وقال ببرود:
ـ “هنا ممنوع الدخول.،،
لم يلتفت، بل ارتشف رشفةً هامسًا في داخله: متى أجد وظيفةً أبني بها بيتي الصغير؟
لم يأتِ دوره بعد، فطلب فنجانًا ثانيًا. ومع كل رشفة، كان التعب يتساقط شيئًا فشيئًا، غير أنّ اليأس أخذ يزحف إلى قلبه. طرق باب المدير متوسلًا المساعدة، فاستقبله بابتسامة شاحبة، وعبق القهوة يملأ المكان. قلب أوراقه سريعًا ثم قال بفتور:
ـ “طلبك لا يزال قيد المراجعة… راجعنا مع بداية العام الجديد.”
خرج مطأطئ الرأس، والأوراق تكاد تسقط من يديه. جلس على حافة الممر حتى تسلل إلى مسمعه صوت مألوف. التفت، فإذا بصديق الدراسة الذي سبقه إلى الوظيفة منذ سنوات. سأله عن حاله، فروى له قصته. أخذ الصديق الأوراق وقال بثقة:
ـ “انتظرني قليلًا.”
مضت ساعة ثقيلة، ثم عاد يحمل ملف الموافقة وهو يقول:
ـ “لم يبقَ إلا الختم والتوقيع.”
ارتجف قلبه من شدة الفرح، كاد لا يصدق ما يسمع. أسرع إلى مكتب المدير، لكن المكتب كان خاليًا؛ المدير غادر في إجازة طويلة. أسند ظهره إلى الجدار، جلس القرفصاء، وأمام يديه فنجانه الثالث والأخير. حدّق فيه طويلًا، ثم ارتشف آخر قطرة… قهوة مُرّة، كمرارة الانتظار.



