الثقافي

فوق الشجرة… حزن لا يُرى

آمنة بنت محمد البلوشية

كان ذلك في صباحٍ نديٍّ من صباحات ظفار، حين تتسلّل الغيوم بين الأغصان كهمسٍ قديم، ويغسل الضباب جذوع الأشجار مثل يد أمٍ تمسح جبين طفلها النائم.

فوق إحدى الشجرات العتيقة، جلست مجموعة من الشباب، ضحكاتهم تتقافز بين الفروع، وكأنهم امتلكوا لحظةً تذكاريةً من الطبيعة.

لكنهم لم يروا ما رأت الشجرة. لم يشعروا بارتجافة الغصن وهو يئن تحت وزن الجسد. ولا لاحظوا أن العشَّ الذي كان ينام فيه طائر صغير، قد صار الآن مهددًا… خاويًا، وأن الريشة التي سقطت، لم تكن مجرد ريشة… بل خسارة.

الشجرة، تلك التي بدت ساكنة، كانت تضجّ بحياة لا تُرى: بيوت صغيرة من طينٍ وخيوط، أنفاس طيور، زغزغة خفية، وظلال تزدهر فيها كائنات لا نعرف أسماءها.

هيئة البيئة لم تُدِن، لكنها تحدثت. شاركت الفيديو، وأرفقته بصوت الأرض: “لا تصعدوا فوق الأشجار… فإنها ليست كراسٍ، بل كائنات حية، تحمل في تجاويفها أرواحًا لا تُرى، وتوازنًا لا يجوز العبث به.”

كان المشهد، في ظاهره، عاديًا. لكنه في عين الطبيعة، كان خرقًا للهدوء، كسرًا لإيقاعٍ عمره مئات السنين.

الريح مرت بهدوء، تمشّط الغصون التي طواها الاضطراب، والعشّ بقي وحيدًا، ينتظر أمًّا لن تعود…

أو بشرًا يعون، في النهاية، أن بعض الأماكن خُلقت لتُحترم لا لتُغزَى.

فالاستدامة ليست لافتة، ولا شعارًا، إنما فعل حبّ… أن تمشي بخفّة على الأرض، أن تمرّ من تحت الشجرة، وترفع رأسك احترامًا… لا جسدك اعتلاءً.

وفي المساء، حين عادت الطيور من رحلتها المتعبة، توقفت واحدة منها عند الغصن المكسور. دارت حوله مرتين… ثم طارت بصمت. لا عتب في عينيها، ولا لوم في جناحيها،

لكن الريح، تلك التي كانت تمرّ برفق، هذه المرة مرّت وهي تهمس: “كل شيء في الطبيعة يتذكر…”

يتذكر من احتضنه، ومن كسره، ومن مرّ خفيفًا مثل ظل… ومن جلس عليه كأنه لا يسمع النبض.

وغابت الشمس عن ظفار في ذلك اليوم، وكان الغروب أكثر حزنًا من المعتاد. ومن بعيد، بين أوراق الشجرة، بقيت ريشة واحدة تتأرجح على غصنها الأخير، كأنها تكتب في الهواء آخر جملة: “اتركوا للأشجار صمتها، وللكائنات مأواها… وللأرض حقها في الطمأنينة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى