
كانت رحلتي إلى لبنان ومضة خاطفة من الشغف، انطلقت بلا تخطيط مسبق، بل بدافع حبٍّ قديم للاستكشاف، ورغبة في معانقة تجربة جديدة تشبه الحلم. كان يكفيني أن اللغة واحدة، وأن الدم العربي يجري في عروق أهلها كما يجري في عروقي، حتى أشعر أن هذه الخطوة ليست غربة، بل عودة إلى أرض الوطن ومهوى الروح..
رافقني صديق عزيز وشاعر رقيق، وحين هبطت الطائرة فجراً على أرض حالمة وشعب طموح، استقبلتنا السماء بدموعها المنسابة، كأنها تعاتبنا على طول الهجر وتبثّ شكواها من ألم الفراق. اكتفينا بساعات قليلة من الراحة، ثم خرجنا نسير بين الأزقّة القديمة والبنايات الحديثة، بين الهدوء الريفي وبراءة القرى الحالمة. وفي كل منعطف وجدنا شعباً ودوداً، طيب الخلق، يحبّ السلام ويصونه. أحسسنا هناك بعزة العربي وكرامته، كأننا عثرنا على جنة على الأرض غيّبتها الحروب وغطّتها الصراعات..
عشنا مع أهل الأرض الذين يبدأ صباحهم على أنغام فيروز، فينهضون إلى الحياة بشوق وحنين وأمل. تجوّلنا في جونية، ثم في البترون، مدينة التراث العريق؛ وهناك دخلنا في ضيافة التاريخ والحضارة. عبرنا طرابلس، وأمتعنا النظر بما تركته يد الإبداع العربي، ثم صعدنا إلى بيت شاعر المهجر جبران خليل جبران، فشعرنا أننا نلامس جذور الأدب وروح الإنسان..
وفي الطريق تعرفنا على أصدقاء جمعتنا بهم هوايات ومهارات مشتركة، فاختفى شعور الغربة، وأحسست لوهلة أني أنتمي لهذه الأرض الطيبة، وأن جذوري تمتد فيها رسوخاً كرسوخ شجرة الأرز المعمرة..
وفي لحظة إنسانية خالصة، وجدنا كلباً قد انحشر تحت سيارتنا يبحث عن دفءٍ يقيه برد الشتاء، فهبّ مجموعة من أهل الأرض لإنقاذه. رحمة به وشفقة على روحه، عندها تذكرت قول رسولنا الكريم: “وفي كل كبدٍ رطبةٍ أجر”، وتيقنت أن الرحمة ما زالت تنبض في هذه الأمة رغم كل ما يثقل صدرها من الهموم وما يؤرق مضجعها من جراح وآلام..
غير أن الوجع لم يغب طويلاً؛ حين التقيت بطفلة سورية تبيع ورداً ذابلاً على قارعة الطريق. صُدمت من قسوة المشهد، وقلت في نفسي: “آه يا (رؤية).. ما أقسى البشر حين يتركون طفلة في مثل عمرك تتسوّل رغيف الخبز!! وتبحث عن سبب للحياة؟!
ومع غصّة في القلب، ختم ضابط الجمارك جواز سفري وهو يحدّثني عن الطائفية والتشتت اللذين يعصفان بالبلاد. وما زاد الألم هو لقائي على متن الطائرة بالفتاة “أبرار”، تلك الشابة الطموحة التي تركت دراستها الجامعية وغادرت إلى أستراليا بحثاً عن حياة أفضل. في عينيها رأيت حزن أمة، ووجع فتاة، ورأيت أيضاً جمال بيروت وسحر لبنان.
عدت وفي قلبي دمعة على لبنان، وفلسطين، وسوريا، والسودان.. عدت وأنا أدعو الله أن يعمّ السلام ربوع بلادنا العربية، وأن يرزقها أمناً وطمأنينة.
سأعود يا لبنان..
سأعود يا بيروت..
فلم يرتوِ عطشي بعد، وما زال في القلب مكان لك ولدهشتك الأولى..



