غير مصنف

موسم التبسيل… أصفر الأرض

آمنة بنت محمد البلوشية

في شهور الصيف اللاهبة، حين تشتد قبضة الشمس على التراب، وحين يصبح الهواء نفسه كأنه ينبض بحرارة الذاكرة، تصحو القرى على موعد لا تملّه الأرواح… موسم التبسيل.
في ولاية منح بمحافظة الداخلية، وفي بدية في شمال الشرقية، وفي القرى الهادئة الممتدة بين العلاية والسفالة، وفي “اليحمدي” و”قفيفة” و”الحائمة”، وبين دروب الزمن لا تزال الأرض تنبض بقصة سنوية، تروى منذ القدم وتُعاش بكل تفاصيلها، كأنها تحدث لأول مرة.

هنا، لا تزال نخلة المبسلي تنشر ظلها بثقة، رغم أن بعض المزارعين غادروها لأصناف أخرى، لكنها في هذه القرى، في هذه القلوب، تُعامل كأمٍ باقية لا يُمكن نسيانها.

يبدأ المشهد في هدوء الفجر… حين تصفر بُسرة المبسلي وتعلن عن بدء الحصاد، يتسلّق الرجال جذوع النخيل، كأنهم يصعدون إلى الشمس نفسها، بينما النسوة في الأسفل يفرزن الثمار، وأصوات الأطفال تتعالى ضحكًا بين الممرات الرملية.
تسقط الثمار، حبة تلو أخرى، صفراء كأنها قطرات ضوء تهطل من أعالي السماء، تتناثر على الأرض في مشهد من السكينة الصاخبة.

بعد الحصاد، ينتقل الجميع إلى “التركبة”، ذلك المكان الذي تحرسه النار وتملؤه رائحة الخشب والنخيل. هناك تُطهى الثمار في مراجل الفاغور، تتصاعد الأبخرة في الهواء، وكأن الأرض ترسل رسائلها إلى السماء. نار تُشعلها الأخشاب، ووجوه تراقب المشهد بطمأنينة من خبر الحياة.
يستوي البسر على مهل، لا يُعجّل بطبخه ولا يُترك، كل مرحلة هنا طقس، وكل لحظة فعل مقدّس.

ومن التركبة، تنطلق الثمار إلى المساطيح… وهناك، تحت عين الشمس الساهرة، تبدأ رحلة التجفيف. من خمسة إلى سبعة أيام، تتوسد الثمار تراب الأرض وتلتحف دفء الشمس، تتحول شيئًا فشيئ من الأصفر الزاهي إلى البرتقالي العميق، كأنها تنضج بالضوء وحده.

وبين هذه الأكوام، تظهر ثمار “بوشخيط”، بخطوطها الحمراء فوق جسدها الأصفر، كأن الطبيعة وضعت عليها توقيعها الأخير.
الناس يتسابقون في جمعها، يتنافسون بمحبة، وكأنهم في مهرجان صامت، لا يسمعه إلا من عاش تفاصيله.

لكن التبسيل ليس مجرد موسم زراعي… إنه فسحة اجتماعية، تذوب فيها الفوارق بين الأجيال. ترى الجد يروي خبرته للحفيد، وترى النساء يعملن بأيدٍ خبيرة، والصغار يتعلمون الصبر والعمل بروح طفولتهم.
إنها أيام تختلط فيها ضحكات الأطفال بدخان الفاغور، وأحاديث الكبار بصوت الحصاد… موسم تتحول فيه القرى إلى خلية عمل، لكنها خلية تحمل الفرح في قلبها.

وفي النهاية، تُجمع الثمار وتُخزن بعناية، كأنها كنز تنتظر أن يُكشف عنه الغطاء. ثم تُشحن إلى الأسواق القريبة والبعيدة، إلى الهند والصين، حيث تتحول إلى غذاء ودواء، إلى بديل عن السكر الأبيض، إلى مكوّن للحلوى والمخبوزات… إلى منتج يعبر القارات حاملاً في قلبه حرارة الشمس العمانية.

وهكذا، في كل عام، تعيد ولاية منح وبدية، ومعهما القرى التي لم تغادرها روح الأرض، سرد هذه الحكاية… حكاية لا تنتهي.
حكاية الإنسان حين يصغي لصوت الأرض، وحين يحوّل تعب يديه إلى فرح، وحين يجعل من نخلة وحيدة، موسمًا لا يغيب عن ذاكرة الصيف

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى