لم تكن اللغة العربية يومًا مجرّد وسيلة تواصل بين الناس، بل كانت وما زالت وعاءً للمعرفة، ومستودعًا للحكمة، ولسانًا للوحي الإلهي الذي أنزله الله عز وجل على خير خلقه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فحملها القرآن الكريم إلى الخلود، وجعلها من أقدس اللغات وأعظمها شأنًا في تاريخ الإنسانية.
لقد امتدت العربية بامتداد الإسلام، وسادت بانتشار كتاب الله، فصارت لغة العلم والفكر والفقه والطب والفلسفة في عصورٍ مضت، حتى ترجمت إليها علوم الأمم، وتشرّفت بأن تكون لغة البيان والوحي والتشريع.
قال الله تعالى: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) – سورة الشعراء، الآية (195).، وقال أيضًا: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) – سورة يوسف، الآية (2).
ولم يكن نزول القرآن بالعربية عبثًا، بل لحكمة بالغة، لأنها لغةٌ قادرة على الإعجاز في البيان، وعلى حمل المعاني الدقيقة في ألفاظٍ يسيرة.
فالعربية لغة اشتقاق ومرونة واتساع، لا تحدها الحدود، ولا تعجز عن توليد المفردات والمعاني لكل مستحدثٍ في الزمان والمكان.
ومن مظاهر إعجازها أن الكلمة الواحدة قد تحمل معاني كثيرة تتسق مع السياق دون لبسٍ أو غموض.
فكلمة “العين“ مثلًا تأتي بمعنى البصر، والماء، والذهب، والجاسوس، والذات، والمطر، والرقابة… وغير ذلك، وكل معنى منها يُعرف من سياق الكلام.
كما أن العربية تتميز بنظامٍ صوتيٍّ فريدٍ يجعلها لغة موسيقية الطابع، يطرب السمع ويؤثر في النفس حتى من غير معرفةٍ بمعانيها، ولهذا كان العرب يقولون: “اللغة العربية تُسمَع قبل أن تُفهَم”.
وقد حفظ الله تعالى هذه اللغة بحفظ كتابه، فهي اللغة الوحيدة التي بقيت على أصلها منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا دون أن تتبدّل قواعدها أو تتغير أصولها، على عكس سائر لغات الأرض التي تآكلت أو انقرضت أو تبدلت بنيتها عبر العصور.
ومن مظاهر عظمة العربية أيضًا أنها لغةُ التوازن بين اللفظ والمعنى، فلا تجد فيها كلمةً زائدةً ولا حرفًا بلا دلالة، حتى قال العلماء:
“لا توجد كلمة في العربية إلا ولها موقعها الذي لا يغني عنه غيرها.”
ولأنها لغة القرآن، فهي لغة العبادة والصلاة والذكر في مشارق الأرض ومغاربها، يتلوها الملايين من المسلمين كل يوم في صلواتهم وأدعيتهم، فتبقى حيةً نابضةً في قلوب المؤمنين وألسنتهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: “من تفقّه في الدين ولم يعرف العربية، فهو ناقص الفهم في الدين.”
إن الاعتناء بالعربية ليس مجرد دفاعٍ عن لغةٍ أو تراثٍ، بل هو حفاظٌ على هوية الأمة وكرامتها ودينها، فهي الرابط الأوثق بين الماضي المجيد والحاضر المشرق والمستقبل الواعد.
فمن أراد أن يرفع شأن الأمة، فعليه أن يرفع شأن لغتها، ومن أضاع لغته أضاع فكره وتاريخه ودينه.
ولذلك كان من الواجب على المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية أن تعمل على ترسيخ حب العربية في نفوس الأجيال، وأن تعيد لها حضورها الرفيع في الخطاب الرسمي، والمناهج الدراسية، والبرامج الثقافية.
فالعربية ليست لغة ماضٍ، بل لغة مستقبل، قادرة على التطور ومواكبة العصر، ما دامت تحتضنها العقول وتحرسها القلوب وتستمد عزّها من القرآن الكريم الذي جعلها خالدةً خلودَ الوحي الإلهي.
قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) – سورة الحجر، الآية (9).
فبحفظ الذكر، حُفظت اللغة، وبخلود القرآن خلدت العربية، وببقاء الإيمان بقي البيان



