الثقافي

التقاعد… رحلة العمر الثانية

علي بن راشد الفليتي

“لكل مرحلة من العمر جمالها، ولكل محطة من محطات الحياة رسالتها الخاصة.”
بهذه الكلمات يمكن أن نلخص معنى التقاعد. فهو ليس انطفاءً لشعلة، ولا إغلاقًا لكتاب العمر، بل بداية فصل جديد تُكتب فيه الأسطر بهدوء وعمق، حيث يصبح الوقت أكثر رحابة، والروح أكثر استعدادًا للإنصات إلى همسات الحياة.

التقاعد يمنح الإنسان جناحين طالما حلم بهما. جناح يطير به إلى مدن لم تطأها قدماه من قبل، وجناح آخر يعود به إلى أماكن زارها في شبابه ليكتشفها بعيون الحكمة والنضج. كل رحلة تصبح تجربة وجودية، يتأمل فيها المناظر الطبيعية كما لو كانت رسائل كونية موجهة إليه وحده. البحر يتسع أكثر، والجبال تبدو أعمق، والناس في الأسواق والطرقات يصبحون قصصًا حيّة تُثري الروح وتغذي الذاكرة

في زحمة العمل ومسؤوليات الحياة، يتباعد الأصدقاء وتتباين الطرق. لكن التقاعد يعيد ترتيب الأولويات، فيمنح الوقت لطرق الأبواب القديمة، وزيارة الوجوه التي كانت شريكة الضحكات والأحلام. اللقاء بالأصدقاء القدامى ليس مجرد استرجاع لماضٍ جميل، بل هو اعتراف ضمني بأن العمر يُقاس بعمق العلاقات لا بعدد السنين.

كم هي مؤثرة تلك اللحظة التي يجد فيها الإنسان نفسه باحثًا عن زملاء الدراسة الأوائل، عن المقاعد الخشبية التي جمعتهم، وعن الأحاديث البسيطة التي ملأت ساعات الفراغ. العثور على زميل دراسة بعد عقود يشبه العثور على قطعة مفقودة من الذات. إنه لقاء يعيدك إلى أول الطريق، إلى نقاء لم يعكره صخب الحياة.

لا يكتمل التقاعد من دون جلسات صافية مع الألبومات القديمة وصناديق الذكريات. صورة بالأبيض والأسود، رسالة مكتوبة بخط مرتجف، تذكرة سفر احتفظ بها المرء منذ أربعين عامًا… كلها أشياء صغيرة تحمل في طياتها حياة كاملة. الذكريات ليست حنينًا باكيًا، بل زادٌ يمنح الحاضر عمقًا ومعنى.

ومن أبهى ما يثري حياة المتقاعد أن ينخرط في الأندية الثقافية والمجالس الفكرية. هناك يجد عقولًا يافعة تُلهب النقاش، وأرواحًا شغوفة بالمعرفة. يجلس ليستمع، فيتجدد شبابه بالعلم والفكر، ويشارك بخبرته الطويلة، فيترك أثرًا يليق برحلته. المنتديات العلمية ليست فقط مجالس حوار، بل هي جسور تمتد بين الأجيال، تصون الخبرة وتبذر بذور الحكمة.

التقاعد يفتح أبوابًا واسعة للعطاء. فزيارة صديق مريض، أو مشاركة في نشاط خيري، أو حتى كلمة تشجيع لشاب في بداية مشواره، كلها صور من إنسانية لا يوقفها تقاعد ولا يحدها عمر. إنها أعمال صغيرة في ظاهرها، عظيمة في أثرها، تجعل المتقاعد شاهدًا حيًا على أن العطاء لا يرتبط بالوظيفة بل بالروح.

التقاعد انسحابًا من الحياة، وولادة جديدة لها. هو سفر في الطرقات وسفر في الذكريات، هو لقاء بالأصدقاء وزملاء الأمس، هو مجلس علم وحوار، وهو عطاء ممتد بلا انقطاع. إنه العمر وقد بلغ حكمته، فأصبح أكثر هدوءًا وإشراقًا، وأكثر قربًا من جوهره الإنساني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى