النصوص

مقهى منتصف الليل

محمد الزعابي

جلستُ في ذلك المقهى طيلة الليل، مجبرًا على النزول فيه بعد أن ضاق بي المكان، إذ لم يكن لديّ شيء سوى انتظار الحافلة التي ستنقلني إلى المدينة الأخرى.

تحملتُ كل المشاهد التي لم تكن مريحة، من ضجيج الشارع المزدحم بسيارات الأجرة، ونظري يروح يمنةً ويسارًا، متفقدا كل شيء يمر من حولي.

كنتُ على الطاولة الخارجية للمقهى، في ليلة معتدلة تميل للرطوبة، لكنها لم تكن مزعجة.
استطعتُ التعايش معها، فوضعتُ كتابي بجانبي، سيكون رفيقي في الحافلة وفي محطات الانتظار، ومعه جهازي اللابتوب.

جاء عامل المقهى، ألقى تحيةً مترددة، وكأن في عينيه شكًّا بأنني واحد من أولئك الذين تجاوزوا حدود السُكر.
رغم أن قبل ساعات كانت تُعرض مباريات حاسمة على الشاشة الكبيرة المثبتة على جدار المطعم، إلا أنه بدا مترددًا في خدمتي، فلا عليه أي لائمة، ربما ظن أن الوجوه هي نفسها في كل ليلة.

طلبتُ شايًا وماء، وفتحتُ برنامج الوورد لأتابع كتابة روايتي المتأخرة.

وبعد قليل، شعرتُ بالحاجة إلى الذهاب لتغيير الجو، أردتُ أن أمشي إلى مكان آخر ثم أعود إلى مكاني.
تحدثتُ معه بأدب:
– هل يمكنني أن أترك أشيائي مكانها وأعود بعد قليل؟
لكنه بدا غاضبًا، قال بحدّة:
– لا، لا أتحمل مسؤولية أغراضك.

كان واثقًا أنني مثل البقية.
ابتسمتُ خجلاً من سوء ظنه، ولحسن الحظ، في تلك اللحظة، اقترب مني أحد العمال قال بصوت خافت:
– هل يمكنني استخدام الواي فاي؟ أريد فقط أن أطمئن على أهلي.

قلتُ له بسرور:
– أتيتَ في وقتك. اجلس هنا حتى الصباح، اشرب ما تشاء، فقط أريدك أن تكون جالسًا هنا بجانب الطاولة للحظة إذا ابتعدتُ عنها.

فرح كثيرًا، فقد كان هو الآخر ينتظر الحافلة.

شربنا شايًا، ثم قهوة، لأُبقي ذهني مستيقظًا ومركزًا على الكتابة. وعند الساعة الثانية والنصف، نظرتُ إليه فوجدته نائمًا على الكرسي، كأن التعب هزمه.

ابتسمتُ لبساطته، ربما كانت رحلته طويلة، وها هو الآن يقاوم حتى يغلبه النعاس.

وبينما كنتُ منشغلاً بالقراءة، اقترب شخصٌ بدا في قمة الهذيان، جلس قريبًا وطلب دجاجًا وخبزًا، ثم بدأ يأكل بنهمٍ وقلتُ في نفسي:
سأتحمل هذه المشاهد الليلة غصبًا عني.

وفي الجهة الأخرى، رأيتُ شخصًا داخل سيارة متوقفة، طلب ساندويشًا، لكنه نام بعمق قبل أن يصل طلبه.

كانت ليلة غريبة، تمتلئ بأرواح تائهة لا يجمع بينها شيء سوى الانتظار .

عدتُ إلى كتابي أقرأ وأسهو، أستمع إلى مواء القط المزعج الذي ظل يلاحقني، وإلى طنين البعوض الذي ضايقني كثيرًا. ورغم ذلك، بقيتُ هائمًا في الرواية ومشاهدها الدرامية غير المتوقعة.

عند الرابعة فجرًا، أغلقتُ اللابتوب ووضعتُ الكتاب في الحقيبة، ثم ذهبتُ لأتوضأ.
دخلتُ المسجد القريب لأداء الصلاة . والآن، ها أنا في طريقي، أجلس عند النافذة كما أحب دائمًا؛ سواء في القطار أو الحافلة أو الطائرة. أراقب الشارع بصمت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى