العام

الحافلة رقم 3 في الحجّ

ابراهيم بن سيف العزري

لم يكن في الحسبان أن تتحول الحافلة رقم 3 في حملة “المرشدون” للحجّ والعمرة إلى قصة لا يمكن أن تفارق الذاكرة،فالحافلة من الحجم الكبير ، وطرازها حديث، ومقاعدها وثيرة، ويدير دفتها الشاب المصري ابن الفيوم “سيد” الذي يصبح في غضون مسافة الطريق من جدة إلى مكة صديقًا للجميع بسبب لهجته المصرية المألوفة، ودعاباته التي بدأها وهو يوزع تمور “السكري”معوضةً نقص السكر في الدم، كما شهدت الحافلة رقم 3 انطلاقة صوت “لبيك اللهّم لبيك” من حنجرة واعظها الشيخ الجزائري داود أبوسنان معلنا بداية رحلة المناسك،، لتعمّ معها أجواء السكينة البيضاء مع ارتداء ركابها من الرجال لملابس الإحرام إلى حين وصول الحافلة مقر السكن في فندق”ريف” بمكة المكرّمة، حيث ودعت الحافلة ركّابها لتعود إليهم ظهيرة يوم الثامن من ذي الحجة 1444 هـ، متوجهة بهم صوب مشعر منى مع تحرك مواكب الحجيج، إلى العرصات الطاهرة، لقضاء يوم التروية.

طافت الحافلة رقم 3 بمخيم منى في مشهد يأسر الألباب، حيث مئات الآلاف من الخيام البيضاء التي تحوي تحت أسقفها الملايين من شعوب الأرض، التي هرولت من كل فجّ عميق لتحجّ إلى الخالق العظيم ، وتوقف سيد بحافلته أمام المخيّم العماني، فيما فضيلة الشيخ طالب الراشدي بصوته الخاشع يردد التلبية بالحج، ويسبّح الله في كل حين ..وفي مشهد حضاري مُبهر انضم الحجاج العمانيون إلى مخيمهم في سكينة وهدؤ ونظام ، دون تدافع أو فوضى، ومرجع ذلك كله التنظيمُ الذي أدارته بعثة الحج العمانيةبكفاءة عالية، وبعد قضاء يوم التروية بمنى، كانت الحافلة رقم 3 على موعدٍ مع رحلة الحجّ الأعظم في يوم عرفة، فما أن أدى سكان الخيمة الواسعة صلاة الفجر في جماعة.

أعلن مرشد الحافلة الشيخ عبدالله العبدلي، عن موعد تحركها مع بداية الشروق، وحمل يافطته التي أصبحت أيقونةً استثنائية بعد ذلك، وشقّت الحافلة طريقها بين آلاف الحافلات باتجاه عرفات، التي شرفها الله بذكرها في كتابه الكريم، وتردد في أرجائها صوت رسول الأمة محمد صلى الله عليه وسلم حينما ألقى في قومه خطبة الوداع مُعلنا انتصار دين الله على الظلم والبغي والجهل، وكانت ملامح الحجاج على متن الحافلة رغم قلة ساعات النوم في منى مستبشرةً بموعد الوقوف بعرفة، حاملةً الآمال بأن يستجيب الله لدعواتهم ورجائهم ، وانطوى طريق منى عرفات بين التلبية، والتكبير والتسبيح، وسط الزحام الشديد، وحينما بلغت الحافلة محطتها أمام المخيم العماني كانت درجة الحرارة عالية وتوحي ببلوغ الذروة عند الظهيرة حيث قاربت الخمسين درجة،لكن مشايخ الحملات العمانية وواعظيها نبهوا الحجاج إلى ضرورة البقاء في الخيام ، وعدم الخروج منها إلاّ للضرورة اتقاءً لضربات الشمس الحارقة في رمضاء عرفات، وكما في مشعر منى.

كان النظام يسود مخيم عرفات العماني ، وتشارك أهله الدعاء إلى الله أن يحفظ بلادهم عمان الغالية، ويسدد على طريق الخير خطى سلطانهم المفدى، وأن يسود السلام والعدل والعافية العالم أجمع، ولقد كان مشهد تجمع الحجاج العمانيين على صعيد عرفات على أعلى درجات الانتظام والالتزام بالأخلاق الحميدة، والامتثال لتعاليم الشريعة الإسلامية الغراء، والحفاظ على الهدؤ والنظافة، وتمثيل وطنهم بين أمم الأرض خير تمثيل ، ومع مغيب شمس التاسع من ذي الحجة جفت حناجر الحجيج بالرجاء ، وتخضبت وجوههم بالعبرات، سائلين الله العفو والمغفرة واستجابة الدعاء، ليفيض بعدها الطوفان البشري صوب مزدلفة، الواقعة بين منى وعرفات، وعلى هدأة الليل وسكونه.

تحركت الحافلة رقم 3 نحو المشعر الحرام، لقضاء سويعات من الذكر كما أمر الله عباده ، وأنزلت ركابها على قارعة في مزدلفة وباتوا ليلتهم بجوار من تكدسوا على ترابها دون التفات للون أو الجنس أو العرق، فالهدف عبادة الله وابتغاء مرضاته ،وبانتهاء صلاة الفجر في مزدلفة ، حاولت الحافلة رقم 3 أن تمنح ركابها ميزة الوصول إلى موقع الجمرات في منى بوقت مبكّر، لكن الزحام ونظام المرور الصارم كان لها بالمرصاد ، فلم تصل إلى هدفها سوى مع ساعات الظهيرة الأولى رغم تحركها مع ساعات الفجر الأولى يوم العاشر من ذي الحجة، وبعد انتهاء المناسك عمت الفرحة بما سهله الله لحجاج بيته الحرام، ولم يتبق أمام ركاب الباص رقم 3 ليستكملوا حياتهم معا سوى الانضمام إلى مجموعات الواتساب ، فعسى التواصل إلكترونيا ينسي النفس لوعة الشوق إلى لحظات الألفة والمودة التي سادت بينهم ، وكما يقول المتنبي:

إِذَا ما انقَضَى يومٌ بِشَوْقٍ مُبَرحٍ

أتى باشتياقٍ فادحٍ بعدهُ غدُ

فلم يبق مني طولُ شوقي إليهم

سوى حسراتٍ في الحشا تترددُ

إبراهيم بن سيف العزري / مكة المكرمة

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى