الثقافي

آفة الوشاية حين تقتل الكلمة قلبًا وتُشعل فتنة

صالح بن سعيد بن صالح الحمداني

موضوعنا اليوم يحمل عنوانا مهما وهو مشكلة تورق المجتمع في كل أرجاء المعمورة وتسبب الكثير من قطع العلاقات وتمزق الآواصر إنها “آفة الوشاية” سنتناول قضية الوشاية ونقل الكلام والنميمة وما يترتب عليها من خراب في النفوس والعلاقات، مع تضمينه الوعظ والإرشاد الديني والاجتماعي من وجهة نظر متواضعة نسلط الضوء لنضع ونشارك في وضع تصور من وجهة نظر.

في كل مجتمع مهما بلغت أخلاقه ونُظمه تظل هناك آفات اجتماعية تتسلل بهدوء، لكنها تُحدث دمارًا هائلًا لا يُرى بالعين المجردة بل يُحس في الأرواح، ويُترجم إلى قطيعة وبغضاء وشحناء بين القلوب، من أخطر تلك الآفات الوشاية ونقل الكلام والنميمة، وتأليب الناس بعضهم على بعض، وهي سلوكيات مرفوضة دينيًا وأخلاقيًا لكنها مع الأسف، لا تزال تتكرر في المجالس، والمحادثات ووسائل التواصل.

حين نُمعن النظر في هذه الممارسات نكتشف أنها لا تُولِّد سوى الحقد والضغينة وتفتيت العلاقات.
يُنقل الكلام من شخص إلى آخر ويُحرَّف ويُضخَّم، وتُنسَج حوله القصص، لتصبح كلمة عابرة، شرارةً لحريق لا يُطفأ، وتُقلب الحقائق عمدًا فتُشيطن الطيّب، ويُجمل السيئ وتُزرع الشكوك في القلوب، فينهار نسيج العلاقات الذي بُني على مدار سنوات بكلمة واحدة فقط.

كثيرًا ما نجلس في مجلس ويُذكر فيه شخصٌ غائب بسوء فنسمع ونصمت، لكن هل فكرنا للحظة، أن سكوتنا هو خذلان؟ أن عدم الدفاع عن ذاك الغائب هو بمثابة مشاركة ضمنية في إيذائه؟ جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: “من ذبّ عن عرض أخيه بالغيب، كان حقًا على الله أن يعتقه من النار”. أي أجرٍ أعظم من هذا؟ أن تدافع عن أخيك في غيابه، فتُعتق من النار! فأين نحن من هذا الفضل؟

الدفاع عن الغائب ليس فقط حسن خلق بل هو مروءة، ونُبل، وإثبات على صدق النية وطهارة القلب، وأما نقل الكلام بعد سماعه فهو جمع للإثم من كل جهة، الاستماع له، والسكوت عنه، ثم إعادة بثّه ونشره، وكأنك تشعل النار في الهشيم.

السؤال الجوهري يجب ان نسأل أنفسنا ما الفائدة من جعل قلوب الناس في شحن وبغضاء؟ ما المكسب الحقيقي من إشعال نار الفتنة؟ هل هو الشعور بالانتصار؟ أم رغبة في تفوق زائف مبني على خراب الآخرين؟ الحقيقة أن من يسعى لدمار الآخرين، إنما يحفر قبرًا لنفسه في علاقاته ومكانته، قبل أن يلقى عقوبة الله في الآخرة.

الله عز وجل يقول في سورة النور:
“إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ”.
فما بالنا بمن يُشيع الفتن، ويزرع الكراهية، ويُحرّض الناس بعضهم على بعض؟

النميمة ليست فقط نقل كلام، بل هي فن خبيث في تحويل الحديث إلى أداة للفرقة، النميمة سلاح خفي يهدم الجبال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يدخل الجنة نمام”. لا يدخل الجنة! تلك العبارة كافية لأن تُدمي القلب وتُرعب النفس، فالنمام لا يُدخل الناس في سعادة، بل يُدخلهم في ضيق وخصومة وبهذا حُرِم سعادة الآخرة.

كم من صديقين تفرّقا بسبب نمّام؟ وكم من بيت خُرّب، وعائلة تشتت، وقلوب تحولت من المحبة إلى الكراهية، بسبب كلمة نُقلت بغير وجه حق؟ إن الكلمة أمانة، وإن اللسان إمّا أن يُرفع بصاحبه، أو يهوي به في النار سبعين خريفًا.

ما أعظم جرم من يسعى لتفريق القلوب! أولئك الذين يجدون متعتهم في تخريب علاقات الآخرين، لا يدركون أنهم يعيشون حياة خاوية، فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى على الحذر الدائم والخوف من خيانة الصديق بل على الثقة والمحبة والإخلاص، والسعي لتفريق الناس وزرع بينهم عدم الثقة جرم عظيم.

إن سعي البعض لتشتيت العلاقات هدفه غالبًا تصدُّر المشهد، أو كسب مكانة وهمية، أو حتى تفريغ حقد دفين تجاه من يرونهم أفضل أو أنجح أو لخلاف حصل وقصد منه الثأر، لكن هذا السلوك لا يجلب إلا الوحشة وعقاب الله وفقدان البركة.

جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بقبرين فقال: “إنهما ليعذّبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة”.
النميمة تُدخل صاحبها القبر معذّبًا، فهل يستحق الأمر كل هذا العذاب؟ أين هؤلاء من وعيد الله وعذابه؟

أما الذين يحرّضون بين الناس ويُشيعون الفتن، فهم موعودون بالخزي في الدنيا، واللعن في الآخرة، لأنهم خانوا الأمانة، وخرّبوا القلوب، وبدّلوا السكينة إلى خوف، والمحبة إلى عداوة.

في زمن كثرت فيه الفتن وقلّت فيه الأخلاق، فلنكن نحن أصحاب الكلمة الطيبة، فلنكن من يُدافع عن الغائب ويسكت عن السوء، ويُحسن الظن ويزرع المحبة.
لا تكن أداة في يد الشيطان، لا تكن سببًا في قطيعة رحم أو خصام صديقين أو تدمير علاقة واذكر دائمًا قول الكريم الجواد:
“ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد”.

فلنجعل من ألسنتنا أبواب خير لا مفاتيح شر، ولنُطفئ نيران الشحناء بالكلمة الطيبة، والدعاء للناس في ظهر الغيب، والدفاع عنهم إذا غابوا، والستر عليهم إذا أخطأوا، فذاك هو طريق الصالحين، وأملنا في رضا الله ومغفرته، كلمة أخيرة اقولها… كن سلامًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى