
في ولاية بهلاء، ما يزال “حفيف الخوص” يروي حكاية ارتباطٍ أبدي بين الإنسان العُماني وبيئته.
فالنخلة شريان حياة ومادة خام لصناعةٍ يدوية صمدت لقرون أمام زحف الآلات الحديثة. تُعد صناعة السعفيات في بهلاء أيقونةً للتراث غير المادي، وجزءاً لا يتجزأ من الهوية البصرية للولاية التي تضج بالحياة والحركة في أسواقها التقليدية.
تبدأ حكاية المنتج السعفي باختيار دقيق لـ “الخوص”، وغالباً ما يُفضل “الخوص الأبيض” الموجود في قلب النخلة (القلب) لليونته وسهولة تشكيله. تمر العملية بمراحل فنية دقيقة تبدأ بـ “التشرير” (تجفيف الخوص تحت الشمس)، ثم “التنقيع” في الماء ليصبح طرياً كالحرير بين أصابع الحرفي.
تأتي بعد ذلك مرحلة “السفافة”، وهي العملية المركزية حيث تُجدل شرائط الخوص بدقة متناهية، قبل أن تُخاط ببعضها باستخدام “المخيط” لتتحول من مجرد أوراق شجر إلى أدوات منزلية غاية في الدقة والجمال.
سوق بهلاء: معرضٌ مفتوح للمشغولات
تتميز مشغولات بهلاء بتنوعها وتعدد مسمياتها التي تعكس حاجة الإنسان القديم، ومن أبرزها:
القرطلة: رفيقة الرحلات والبيوت لحفظ اللحوم المجففة (المقلي والقاوور).
السمّة والسميم: الحصر التي كانت تفرش البيوت والمساجد، وتُعد ملاذاً بارداً في هجير الصيف.
الظرف (الشت): الذي يغطي المائدة العمانية بنقوشه الملونة وأشكاله المخروطية الجذابة.
أدوات الجني: مثل “المخرافة” و**”الزبيل”**، وهي أدوات لا يزال المزارع البهلاوي يعتمد عليها حتى اليوم في موسم “القيظ”.
الابتكارات الحديثة: مثل “كملول” الفناجين و**”قزقوزة”** الحلوى، وصولاً إلى الحقائب العصرية التي باتت تستهوي السياح والشباب.
لم يكتفِ الصانع في بهلاء بالجانب النفعي، بل أدخل الجمال في أدواته. فباستخدام الأصبغة الطبيعية، يُصبغ الخوص بالألوان الزاهية كالجرجاري (الأحمر) والأخضر، ليتم دمجها في “السفة” بطريقة هندسية تُعرف محلياً بـ “الرقم”، مما يحول “المنسف” أو “المخرفة” إلى قطعة فنية تسر الناظرين.
تواكب حرفة السعفيات في بهلاء متطلبات العصر؛ فبعد أن كانت تُستخدم كأدوات أساسية للمعيشة، أصبحت اليوم تُطلب كقطع ديكور فاخرة في الفنادق التراثية والمنازل الحديثة. وبفضل جهود الحرفيين والحرفيات بالولاية، تم دمج السعف مع الجلد والأقمشة لإنتاج حقائب وإكسسوارات منزلية تنافس المنتجات العالمية بلمسة عُمانية خالصة.
تبقى صناعة السعفيات في بهلاء رسالة وفاء من جيل الحاضر إلى جيل الأجداد، وتأكيدا على أن “النخلة” ستظل تعطي العُماني زاداً وفناً ما دامت الحياة مستمرة.




