مقالات

التكوين تحاور الفلسطينية أم غانم صاحبة صرخة “لا للضم”

كتب: خالد المعمري

باحث في التاريخ البريدي

في عام 2005  التقطت وكالة الأنباء الفرنسية وبعض المصورين الذين تواجدوا أثناء هذا الموقف صورة لامرأة فلسطينية تتمسك بشجرة الزيتون وتضمها كأنها تحضن طفلا صغيرا في حالة شوق الام لأبنها الرضيع وتبكي حرقة، فيما كان جنود الاحتلال من خلفها يراقبون الموقف وعرضت صورتها في أكثر من معرض للتصوير الضوئي  لبعض المصورين، وأصبحت أيقونة عالمية ليوم المرآه العالمي، وأيقونة للأرض والتمسك بالهوية العربية الفلسطينية، وأيقونة النضال للبقاء، ورمزا للمرأه الفلسطينية العاملة والفلاحة والمكافحة. 

هي الحاجة محفوظة أشتية (أم غانم) من نابلس شمال الضفة الغربية في فلسطين المحتلة، التي ظهرت مؤخرا في فيديو كليب غنائي بكلمات لا للضم .. لا للضم تقديرا وإجلالا لما قدمته هذه المرأه الفلسطينية المسنة. وتقول بعض كلمات الأغنية:

“أرضى عربي بتكلم

لا للضم.. لا للضم

اسأل محفوظة اشتية

لما طردت دورية”.

وفي فلسطين تم تكريمها على ما قامت به   من خلال مبادرة “بصمة وطن” التي نظمتها  مؤسسة سيدة الأرض (وهي مؤسسة لها العديد من البصمات الوطنية والفنية على الساحة العربية، تكرم الشخصيات في الداخل الفلسطيني)، كما كرمتها الأكاديمية الفلسطينية للعلوم الأمنية.

 

صورة الطابع البريدي في لفته كريمة من البريد الفلسطيني قام بإصدار طابع بريدي تذكاري بمناسبة اليوم العالمي للمرأه  تكريما لها،  حمل صورتها التي التقطت لها في عام 2005 كونها أيقونة للمرأه الفلسطينية.

محفوظة “سنديانة الكرامة

ذاع صيت محفوظة اشتية خارج فلسطين حيث أطلقت مؤسسة كرامة في  2007 (وهي مؤسسة تعمل على تعزيز مشاركة المرأة في المنطقة العربية، وإنهاء العنف ضد المرأة. وتعمل في 13 دولة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، وتدعم الناشطين والمنظمات النسائية لتحقيق أهدافها) جائزة “محفوظة سنديانة الكرامة”، تقديراً للدور الذي لعبته المرأة في جميع أنحاء العالم العربي، باعتبارها راعية  للكرامة والتضحيات العظيمة التي قدمتها في مواجهة التمييز، والخطر والعنف، وستكون الجائزة سنوية وتحمل اسمها (محفوظة.. سنديانة الكرامة) تمنح لنساء مؤثرات مقاومات للعنف ضد المرأة، وتعد أول امرأة تحصل على جائزة تحمل اسمها، وبعدها توالت التكريميات لبعض الشخصيات النسائية من مختلف الدول، وترمز السنديانة للعز والعزيمة، وفقا لما جاء في موقع  مؤسسة كرامة.

كل هذه التكريميات والمبادرات التي تحمل اسمها جعلتنا نبحث عنها لتحدثنا مباشرة عن الحدث الأبرز الذي أسهم في شهرتها. تواصلت مرحلة البحث عنها من أجل الوصول إليها مع أكثر من جهة. ولم يتحقق لي حلم الاواصل معها مباشرة لعدم معرفتي بجغرافية فلسطين المحتلة، لذا كان الخيار الأخير هو التواصل مع شخصية إعلامية معرفتي بها قليلة جدا، فقط عرفت أنه من كتب كلمات الأغنية الشهيرة “لا للضم” تضامنا مع شعبه وأهل بلدته بضم بعض القرى إلى المستوطنات الإسرائيلية، وكانت بطلة هذا الفيديو هي بطلة قصتنا التي نبحث عنها محاولين عمل لقاء صحفي تبوح به لأول مره لأول مجلة عربية وخليجية وتخبرنا عن قصة الصورة المشهورة.

رحلة البحث عن أم غانم

في رحلة البحث هذه تواصلت أخيرا مع الشاعر والمستشار الإعلامي الفلسطيني الأستاذ زياد المبسلط،  ورحب بي كعادة أهلنا في فلسطين الحرة، وتكفل بإيصالي إلى عائلة السيدة محفوظة، وما هي إلا ساعات فقط حتى ربطني باتصال مع ابنها  (اشتية) الذي رحب بي فور معرفته أني من سلطنة عمان وأخبرني بأن السيدة محفوظة ترحب بي، وقد أبدت استعدادها  للتعاون معي ومع مجلة التكوين، لتحدثنا عن قصة الصورة الشهيرة. وهنا ةلابد من الإشادة بدور الأستاذ زياد لأنه رتب كل شيء، وهيأ كل ما من شأنه تسهيل مهمة إجراء الحديث الصحفي  مع السيدة محفوظة، التي خصت مجلة “التكوين” بمعلومات لم تنشر في اللقاءات السابقة .

وكانت البداية بسؤالنا لها عن سبب الضجة الاعلامية وتناقل صورتها الشهيرة وهي تحتضن شجرة الزيتون، وكيف تم التقاط الصورة الشهيرة لها وهي تتمسك بشجرة الزيتون؟

أعادت الحاجة محفوظة سرد الأحداث التي تعود إلى تاريخ 27 نوفمبر 2005 ، وقالت: “بعد صلاة الفجر، وكعادتنا نخرج أنا وزوجي، رغم الظلمة وبرودة الجو، ولكن كنا نتعمد الخروج في هذا الوقت، وخاصة وقت الظلمة، حتى نتمكن من تجاوز الشارع الاستيطاني الذي يحول بيننا وبين أرضنا التي تبعد مسافة بعيدة عن المنزل، وموقع الأرض يقع قريب إحدى المستوطنات، ويعتبرون تلك المنطقة ممنوعا دخولها، باستثناء أيم معدودة فقط في العام، وذلك بهدف إرهاب أصحاب الأراضي الأصليين بغثة أن توضع تحت أيدى المستوطنين تدريجيا”.

وتستكمل الحاجة محفوظة حديثها: ” صلنا إلى الأرض بعد تعب ومشقة الوصول إليها للعمل  خلسة بدون أن ترانا أعين المستوطنين وحتى لا يحس جنود الاحتلال بوجودنا، لأن الشجر غالٍ علينا، وتربينا وكبرنا وهو موجود، حتى أن بعض الأشجار زرعت قبل ولادة أبنائي وحبي للأرض والشجر جعلني أتمسك بها رغما عن أنف الاحتلال. 

وعندما وصلنا قريبا من الأرض لقينا أحد الأهالي وأخبرنا أن نرجع بسبب وجود المستوطنين،  ولكني رفضت ومضيت قدما لتكملة مشواري. تفاجأنا بوجود مجموعة كبيرة من المستوطنين اليهود داخل الأراضي (مزارع الزيتون) يحملون المناشير الألية ويقطعون بها أشجار الزيتون، بلا رحمة، فما كان من زوجي وكل من كان موجودا إلا أن  بدأوا في التكبير وبأعلى أصواتهم “الله أكبر” “الله أكبر”، فدب الرعب في المستوطنين وانسحبوا من المكان مرعوبين من كلمة “الله أكبر”. 

كل هذه الأحداث حصلت للمناضلة محفوظة وزوجها الحاج معروف أثناء عبورهما الطريق فقط مرورا بأراضي الفلسطينيين ولم يصلوا إلى إرضهما بعد. وعند وصولهما كانت الفجيعة والمفاجأة الكبرى أنهم وجدوا أنه تم قطع وإعدام مئات أشجار الزيتون، فلم يتمالكا نفسيهما من رؤية المنظر الرهيب الذي حدث للتو. 

الزيتونة شهيد في المعركة

تصف الحاجة محفوظة هذه اللحظة قائلة: “عندما وصلت لم أتمالك نفسي، ولم أستوعب ما حدث لشجر الزيتون الذي زرعته واسقيته من عرقي وتعبي، وأنتظر قطف ثماره بفارغ الصبر. كل هذا يذهب في لحظة. كان المشهد بالنسبة لي كالشهيد الذي يسقط في ساحة المعركة وتقوم والدته باحتضانه على أمل أن تعود الحياة إليه من جديد فقمت واحتضنت شجرة الزيتون عسى أن تعود للحياة من جديد حتى تظل شامخة وتتحدث للجميع أن هذه الأرض أرض عربية فلسطينية إسلامية لا وجود للمحتل عليها”.

وعن لحظة التقاط الصورة التاريخية تقول الحاجة محفوظة: “لقد تم إيصال الخبر إلى الأهالي وتوافدوا تباعا بعد صوت التكبير، إذ عرفوا عن وجود مجزرة بحق شجر الزيتون في الأراضي الواقعة خلف الشارع الاستيطاني، وكان هناك أحد الصحفيين من الذين حضروا إلى المكان والتقط صورتي وأنا أحتضن شجرة الزيتون، فيما حضر جنود جيش الاحتلال على الفور لمراقبة الموقف، ولكن لم يجرؤ على طردي من أرضي”.

وحين سألتها: هل تعلمين بأن صورتك انتشرت بشكل واسع عبر العالم وأصبحت رمزا لتمسك الفلسطيني بأرضه، ووقفتك أمام العسكر والمستوطنين بشجاعة ألهمت الكثير من النساء حول العالم بقوتك وأيضا عاطفتك نحو شجر الزيتون؟ قالت: “نعم يهمني  انتشار الصورة، ليس كشهرة، ولكن أريد أن يعرف العالم أجمع ما نعانيه، وهي رسالة أوصلها إلى العالم طالما هناك نفس في الحياة سيظل الفلسطيني متمسكا بأرضه وأقولها (لا للضم لا للضم)”.

عائلة مناضلة

وجهت سؤالي الآخر إلى ابنها اشتية:  ما هو شعورك اتجاه ما يحصل اليوم من انتشار واسع لصورة والداتك، فرد قائلا: “يكفيني فخرا أنها أمي، ولا ننسى أيضا أنه تم أسرنا في الانتفاضة الفلسطينية الأولي عدة أشهر، وأصيبت أختي الكبيرة بأربع رصاصات، وأفتخر بوالدتي وبشجاعتها، لأنها كانت من رماة الحجارة في انتفاضة الحجارة هي ومعظم جيلها من النساء والرجال.

سألته أيضا: هل تذكر مواقف بطولية أخرى للوالدة غير هذا الموقف؟، فقال: ” نعم هناك قصص ومواقف، ولكني سأذكر قصتين: الأولي، وأفتخر بها ما حييت، وتمثل رمزا للفداء والتضحية في سبيل إنقاذ غيرها. حدثت القصة في حرب 1967 أثناء حرب النكسة حيث كانت والدتي تعمل هي وجدي (والدها) وأخوها الصغير في حصاد حبوب القمح في منقطة الأغوار عندما بدأت طائرات الاحتلال بالغارة على المزارعين، كالعادة لإرهابهم. وعندما اقتربت منهم ظنت أنهم جنود الجيش الأردني العربي، فدخل جدي إلى كهف مجاور وتأخرت والداتي هي وأخوها الصغير قليلا، فلما اقتربت الطائرة أكثر أوقعت أمي أخاها على الأرض ورمت بنفسها فوقه لتحميه من أي قصف قد يحصل من الطائرة. وعندما سالتها لماذا فعلت ذلك، ردت قائلة: لأحميه من القصف وأمنع عنه أي إصابة، ولو مت أنا لا يهم،  المهم أن يظل هو حيا.

أما الموقف الآخر فقد حدث لنا قبل قصتها المشهورة مع شجر الزيتون بفترة قصيرة، لأن اعتداءات المستوطنين على المزارعين لا تتوقف، ونسطتطيع القول أنها شبه يومية. كان لي أخ وأبن جيران يرعيان الأغنام في المنطقة  التي حدثت بها فاجعة الزيتون، حيث قام مجموعة من المستوطنين بالهجوم عليهما وضربهما وأخذوا المواشي إلى جهة مجهولة. وصل الخبر لنا في القرية، حيث توجهنا  على الفور إلى المنطقة لأنفاذهما هما والأغنام من يد المستوطنين. وقد وقع اشتباك بالأيدي بيننا، وكانت والدتي على رأسنا، فتقدمت من الحاخام كبيرهم وبدأت تسأله أين ذهبتم بابني وأغنامي؟ وعندما اقتربت منه قبضته في لحيته ومسكته من رأسه وطرحته أرضا ودعست بحذائها على رأسه وهي تردد: أين ابني يا خنزير؟ هذان الموقفان سيظلان في الذاكرة ما حييت فأي فخر بعد هذا كله أن تكون لك أم مثل محفوظة اشتيه”. 

اهداء وتذكار من وايقونة النضال للبقاء ورمز للمرآه الفلسطينية العاملة والفلاحة والمكافحة

اهداء  وتذكار من وايقونة النضال للبقاء ورمز للمرآه الفلسطينية العاملة والفلاحة والمكافحة

وفي نهاية هذا اللقاء مع السيدة محفوظة المجاهدة التى تشبثت بكل قوتها لتحمي شجره ولتقف في مواجهة المحتل سالت الله الرحمة والمغفرة للسلطان قابوس طيب الله ثراه الذي وقف مع الشعب الفلسطيني في اغلب محنه وكان رمزا للسلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى