
كتبت: آمنة بنت محمد البلوشية
في انبلاج صباحٍ أول، حمل المصوّر عدسته، لا ليُوثّق المشهد فحسب، بل ليعيد تشكيله بلغةٍ شاعرية تُنصت للضوء وتترجم الظلال. انطلق في رحلةٍ لاكتشاف سلطنة عُمان، حيث لا يُختزل المكان في جغرافيته، بل يتجلّى ككائنٍ حيّ، تنبض تفاصيله بالأصالة، وتتشابك فيه ملامح الطبيعة مع إرثٍ إنساني ضاربٍ في عمق الزمن.
ضمن هذا الأفق، يأتي كتاب “رحلة عُمان” الصادر بالشراكة مع دار النشر العالمية “أسولين”، ليقدّم تجربة بصرية تتجاوز التوثيق إلى بناء سردية متكاملة، تُعيد قراءة المكان من خلال الصورة، وتمنح القارئ مدخلًا تأمليًا لاكتشاف السلطنة بوصفها فضاءً غنيًا بالمعاني والدلالات.
منذ الصفحات الأولى، يضع الكتاب قارئه أمام خريطةٍ دقيقة تُبرز تنوّع عُمان، في مقوماتها السياحية والتاريخية والطبيعية، في صياغة تُشبه دعوة مفتوحة لرحلة تبدأ من الجغرافيا، لكنها تمتد إلى ما هو أبعد؛ إلى الذاكرة، والهوية، وتجربة الإنسان في تفاعله مع المكان.
وتقودنا عدسة المصوّر إلى تضاريس تتبدّل ملامحها بانسيابية؛ من الجبال الشاهقة التي تلامس زرقتها الأفق، إلى السواحل الممتدة حيث تتدرج ألوان البحر في مشاهد تتقاطع فيها الشفافية مع العمق. وبين هذه المساحات، تحضر العيون المائية العُمانية كعلامات حياةٍ دائمة، تجسّد فهم الإنسان لبيئته، وقدرته على الاستفادة منها دون الإخلال بتوازنها.
كما تتجلّى منظومة الأفلاج بوصفها واحدة من أبرز الشواهد على هذا التفاعل الذكي مع الطبيعة؛ نظام مائي متوارث يعكس وعيًا حضاريًا متقدمًا في إدارة الموارد، ويشكّل في الوقت ذاته جزءًا من الهوية الثقافية للمجتمع العُماني.
وفي القرى الجبلية، تبرز ملامح الحياة في تناغمها البسيط والعميق، ومن بينها قرية وكان، التي تتكئ على السفوح بهدوء، وتكشف عن علاقة حميمة بين الإنسان والمكان، حيث تتوزع البيوت بين المدرجات الزراعية، في مشهدٍ يجمع بين الجمال والوظيفة.
ولا يغيب الورد الجبلي في الجبل الأخضر عن هذا المشهد، حيث يتحوّل حضوره إلى رمزٍ ثقافي بقدر ما هو عنصر طبيعي، في تقليدٍ متوارث يعبّر عن استمرارية الجمال في الذاكرة الجمعية.
ويمتد السرد إلى تفاصيل العمارة التقليدية، حيث الأبواب الخشبية المزخرفة، والنوافذ المنقوشة، التي لا تؤدي وظيفة عملية فحسب، بل تحمل في تفاصيلها لغة جمالية تعبّر عن الذائقة المحلية. كما تحضر نقوشات المساجد بما تحمله من دقة واتزان، في تعبيرٍ عن تلاقي البعد الروحي مع الحس الفني.
وفي الأسواق التقليدية، تتكشّف طبقات أخرى من المشهد الثقافي؛ السجاجيد بألوانها ونقوشها، الحرف اليدوية، والمنتجات التي تعكس مهارة الإنسان العُماني في تحويل المواد البسيطة إلى عناصر ذات قيمة جمالية ووظيفية في آنٍ واحد.
وتبرز عصا الجرز في محافظة مسندم بوصفها رمزًا ثقافيًا متوارثًا، يحمل دلالات القوة والانتماء، ويجسّد جانبًا من خصوصية البيئة الجبلية والبحرية في تلك المنطقة.
أما التاريخ، فيحضر من خلال القلاع والحصون التي تنتشر في مختلف أنحاء السلطنة، شاهدةً على مراحل متعددة من التحصين والدفاع، وعلى دور عُمان في محيطها الإقليمي، حيث تتحوّل هذه المعالم إلى ذاكرة معمارية تحفظ ملامح الزمن.
ويمتد هذا البعد التاريخي إلى مقابر بات، المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، حيث يلتقي الأثر بالصمت، وتُستعاد حكايات الحضارات الأولى في مشهدٍ يختزل عمق الامتداد الإنساني في هذه الأرض.
وفي مقابل هذا الثقل التاريخي، تبرز البحيرات الوردية في محافظة الوسطى كظاهرة طبيعية لافتة، تضيف تنوعًا بصريًا وبيئيًا، وتكشف عن وجهٍ آخر من الجمال العُماني، القائم على المفارقة بين الألوان والبيئات.
ولا يغفل الكتاب عن البعد البحري، بما يحمله من كائناتٍ حيّة وموروثٍ تقليدي في صناعة السفن، يعكس ارتباط الإنسان العُماني بالبحر بوصفه مصدر حياة ومسار تواصل.
في مجمله، يقدّم “رحلة عُمان” قراءة بصرية وثقافية متكاملة، تتجاوز النمطية، وتقترب من جوهر المكان؛ حيث تتجاور الطبيعة مع التاريخ، وتتقاطع التفاصيل اليومية مع الإرث الحضاري، في تجربة تمنح القارئ فرصة لاكتشاف عُمان بوصفها فضاءً مفتوحًا على التأمل، وغنيًا بإمكانات لا تنضب من الجمال والمعنى.



