سيرة ومسيرة: الشيخ سالم بن محمد المهشمي.. آخر “ليوالي” لساحل شرق أفريقيا
فايز بن محمد الشكيلي

في رحاب التاريخ السياسي لشرق أفريقيا، تبرز أسماءٌ لم تكن مجرد أدوات إدارية، بل كانت صمامات أمان لهوية جغرافية وثقافية معقدة. ومن بين هذه الشخصيات، يأتي الشيخ سالم بن محمد المهشمي، الذي حمل إرث منصب “الليوالي” في واحدة من أصعب التحولات السياسية التي شهدتها القارة السمراء. هذا التقرير يستعرض محطات حياته ودوره التاريخي، بناءً على ما وثقه والدي الراحل محمد بن مبارك الشكيلي في بحثه حول سيرة جده.
أولاً: منصب “الليوالي”.. الجذور والصلاحيات
قبل الولوج في تفاصيل السيرة، لا بد من استحضار دلالة منصب “الليوالي” (وهي التحريف المحلي للكلمة العربية “الوالي”). هذا المنصب كان يمثل السلطة الإدارية والسياسية الأرفع لسلطان زنجبار في المراكز الساحلية الحيوية مثل مومباسا، ولامو، وماليندي.
تاريخياً، تعود جذور هذا التمثيل إلى عهد اليعاربة الذين عينوا ولاةً في مناطق مختلفة بعد طرد البرتغاليين، وكان آخر ولاتهم الشيخ أحمد بن محمد المزروعي. ومع انتقال الحكم إلى الدولة البوسعيدية بقيادة الإمام أحمد بن سعيد، عُيّن السيد عبدالله بن جعد البوسعيدي كأول والٍ على زنجبار وكلوا والبنادر.

وقد تمتع “الليوالي” بصلاحيات تشبه “الحاكم العام”، تركزت في:
* التمثيل السياسي والسيادي: كونه “عين السلطان وأذنه” والمفوض بنقل المراسيم السلطانية.
* المرجعية الأمنية والقضائية: الإشراف على قوات “العسكر” ورئاسة “محاكم الليوالي” للفصل في القضايا المدنية والجنائية والنزاعات القبلية.
* الإدارة المالية: جباية الرسوم الجمركية والضرائب لصالح خزينة السلطنة.
* الوساطة الاجتماعية: التوسط بين القبائل الأفريقية والتجار لضمان استقرار حركة التجارة (العاج والتوابل).
ثانياً: النشأة والمسار المهني (من الشرطة إلى الإدارة)
وُلد الشيخ سالم بن محمد المهشمي في مارس 1911م بمومباسا في كينيا، لعائلة عربية عريقة. نشأ في بيئة محافظة، حيث نهل من علوم الكتاتيب والمدارس الإسلامية، متبحراً في اللغة العربية والفقه والتاريخ، مما صقل شخصيته القيادية منذ وقت مبكر.

بدأ مسيرته المهنية بانضباط عسكري، حيث انضم لأكاديمية الشرطة في “كيغانجو” (1933-1934م)، وتدرج في الرتب من شرطي حتى وصل إلى رتبة مفتش. هذا المسار الأمني كان مقدمة لانتقاله إلى السلك الإداري الحكومي، حيث عُيّن مستشاراً لحاكم الساحل لشؤون العرب. وفي 15 أبريل 1952م، تولى إدارة “ويتو” و”مكنومبي” بمقاطعة لامو، لينتقل بعدها ليكون “ليوالياً” لماليندي. وقبل توليه منصبه الأخير، خضع لتدريب إداري متقدم في “توركواي” بالمملكة المتحدة، ليعود ويتولى منصب “ليوالي مومباسا”.
ثالثاً: “ليوالي الساحل” وحارس الهوية في مخاض الاستقلال
في عام 1959م، تسلم الشيخ سالم مهام “ليوالي الساحل” خلفاً للشيخ السير مبارك الهناوي. جاء تعيينه في وقت كانت فيه أفريقيا تغلي بحركات التحرر، فكان بمثابة “حجر الزاوية” في مثلث القوى المتمثل في: (سلطنة زنجبار، الإدارة البريطانية، والحركة الوطنية الكينية).
لم يكتفِ المهشمي بالدور الإداري، بل كان صوتاً رزيناً للمطالبة بحقوق سكان الشريط الساحلي. وضمن حركة “موامباو”، طالب بأن يظل الساحل كياناً مستقلاً أو يتمتع بحكم ذاتي تحت سيادة السلطان، مؤكداً أن للساحل هوية ثقافية وقانونية تختلف عن “مستعمرة كينيا” الداخل.
وبرز دوره التاريخي في “مؤتمر قصر لانكستر” بلندن، حيث خاض مفاوضات لضمان حقوق المسلمين، خاصة فيما يتعلق بـ “محاكم القضاة” الشرعية، وتملك الأراضي، والأوقاف الإسلامية. وبفضل حنكته، أُدرجت بنود في الدستور الكيني تضمن استمرار هذه المحاكم حتى يومنا هذا. وفي أكتوبر 1963م، وقبل استقلال كينيا، كان هو المسؤول التنفيذي المشرف على اتفاقية انتقال الإدارة من “محمية سلطانية” إلى جزء من جمهورية كينيا، ضامناً سلامة هذا التحول من الصدامات العرقية.

رابعاً: “كبير الأعيان” والدور الإنساني بعد عام 1964م
بجانب كونه مسؤولاً رسمياً، عُرف الشيخ سالم كمرجع أعلى للقضاة وحلالاً للنزاعات القبلية المعقدة بين العرب والقبائل الأفريقية (مثل الميجيكيندا وباجوني)، مما حافظ على السلم الأهلي. كما دعم المؤسسات التعليمية الإسلامية لضمان بقاء الهوية العربية والإسلامية.
بعد اندلاع أحداث عام 1964م في زنجبار، لعب الشيخ سالم دوراً إنسانياً محورياً؛ حيث نسق استقبال آلاف اللاجئين العائدين من زنجبار وبيمبا، واستخدم وجاهته لدى الحكومة الكينية لضمان ملاذ آمن لهم وتسهيل عبورهم إلى سلطنة عمان وبريطانيا، وهو ما دفع الأمم المتحدة لاحقاً لتعيينه لمساعدة هؤلاء اللاجئين.
الخاتمة: إرثٌ باقٍ في أرض الجذور
وعلى الرغم من التحولات السياسية الجذريّة، اختار الشيخ سالم البقاء في مومباسا بعد عام 1963م، مؤمناً بعمق جذوره في تلك الأرض. وقد استمرت عائلته في تبوء مكانة مرموقة في مجالات التجارة والمحاماة والخدمة العامة، محافظين على أرث العائلة المرتبط بالنشاط الاجتماعي والديني في “مسجد راودا” وغيره.
لقد كان الشيخ سالم بن محمد المهشمي رجل دولة من طراز فريد، نال وسام الإمبراطورية البريطانية (MBE) تقديراً لخدماته، واستطاع بحكمته أن يعبر بالسفينة الساحلية إلى بر الأمان في عصر الجمهوريات، مع الحفاظ على المكتسبات الدينية والقانونية للأجيال القادمة. توفي الشيخ سالم في منزله بمومباسا محاطاً بعائلته، تاركاً خلفه سيرةً تروى بلسان الفخر والتوثيق.



