مقالات

حربٌ ضروس بين العقل والنفس

طاهرة الشامسية

حربٌ لا تُرى ساحاتها، ولا تُسمع صرخاتها، لكنها تعصف في أعماقنا كإعصارٍ لا يهدأ، وتترك فينا ندوبًا لا تُرى، لكنها تُوجع أكثر من ألف جرحٍ ظاهر.

هناك، في زاويةٍ خفية من الروح، يقف العقل متزنًا، حازمًا، يرفع راية الحكمة، يزن الأمور بميزانٍ دقيق، لا يميل مع الهوى، ولا يخضع لعاطفةٍ عابرة. يهمس: (تمهّل.. فكّر.. لا تندفع، فالعواقب ليست كالبدايات.)

لكن في الجهة الأخرى، تقف النفس، متقلّبة، مشتعلة، ترفض القيود، وتغضب من الحسابات، تريد كل شيءٍ الآن، دون انتظار، دون تفكير، دون خوف.

تقول النفس: (عِش اللحظة.. لا تُرهق قلبك بكثرة الحساب، فالحياة قصيرة، وما يُشعرني بالراحة الآن هو حقي.)

فيرد العقل بصوتٍ هادئ لكنه صارم: (ليست كل راحةٍ آنية خيرًا، وليست كل رغبةٍ صادقة طريقًا للنجاة.)

وهكذا تبدأ المعركة.. جولةٌ بعد جولة..

حين يميل القلب إلى العاطفة، يشدّه العقل إلى الوراء. وحين يضعف العقل من كثرة الصراع، تتقدّم النفس، تلوّح بانتصارٍ مؤقت، وتغمر صاحبها بلحظة نشوة، سرعان ما يعقبها ندمٌ ثقيل.

يا لها من معركةٍ مرهقة.. أن تكون بين صوتين كلاهما منك، كلاهما صادق بطريقته، وكلاهما يدّعي أنه الأحق بالاتباع.

فالعقل يخاف عليك من الألم، والنفس تخاف عليك من الحرمان. العقل يريد نجاتك، والنفس تريد سعادتك. وبين النجاة والسعادة، تضيع الكثير من الخطوات.

أحيانًا، ينتصر العقل، فتشعر بالطمأنينة، لكنك تحمل في داخلك غصّة (لو…) وأحيانًا، تنتصر النفس، فتشعر بالفرح لحظة، ثم تتبعها عاصفة من التساؤلات: (لماذا لم أستمع؟) وتمضي الأيام، وتدرك، بعد كل تلك الحروب، أن الحياة ليست في انتصار أحدهما على الآخر، بل في التوازن بينهما.

أن تُصغي للعقل حين تشتد العواصف، وتمنح النفس بعض الحلم حين يطول الجفاف. فليس أجمل من عقلٍ يرشد، ولا أصدق من نفسٍ تشعر.

لكن الكارثة.. حين يقود أحدهما دون الآخر. وفي نهاية كل صراع، تجلس مع نفسك، متعبًا، صامتًا، تُعيد ترتيب ما حدث، وتهمس: (ليتني أستطيع أن أُصالح بينهما).

ختامًا…

الحقيقة التي لا نبوح بها كثيرًا، أن هذه الحرب لن تنتهي،وأننا سنظل طوال العمر نخوضها، نتعلّم منها، وننضج. وجزءٌ منا دائمًا، سيبقى ساحةً لها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى