الثقافي

الزمن… حين تنتهي الساعة وتبدأ الحقيقة

زاهر بن سيف  بن سلطان المسكري

من منّا لم يسأل نفسه يومًا: أين ذهب عمري؟

تمرّ الأيام كأنها رملٌ يتسرّب من بين الأصابع،

لكن الحقيقة أن كلّ حبّةٍ من ذاك الرمل هي شهادةٌ علينا أو لنا  “فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ” الزلزلة.

وكلّ دقيقةٍ من أعمارنا تسجّلها السماء في كتابٍ لا يُغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها.

الزمن ليس عقاربَ ساعةٍ تدور، بل هو أعمارٌ تُكتب في الامتحان الأكبر، وهو ميزانُ الله الخفيّ الذي نُوزن فيه قبل أن نُوزن يوم القيامة.

الزمن في الدنيا: اختبارٌ في ثوب الأيام…..

الدنيا ليست إلا رحلةً قصيرةً على طريقٍ طويل. فالليلُ والنهارُ يتعاقبان، لا لينسينا الغاية، بل ليذكّرانا بها.

قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (الفرقان: 62).

كلُّ غروبِ شمسٍ ينقصُ من عمرك جزءًا، فعليك بالاستغفار. وكلُّ صباحٍ يُمنحُ لك هو فرصةٌ جديدةٌ للرجوع إلى الله، فقُل: الحمد لله حقّ حمده.

فالعمر في حقيقته ليس ما يُحسب بالسنين، بل ما يُكتَب في صحيفةِ العمل: خيرًا كان أم شرًّا.

الزمن في الآخرة: لا ليلَ هناك ولا نهار والله أعلم بالغيب. حين تنتهي الساعة وتبدأ الآخرة، ينكسر ميزان الزمن.

لا يومَ هناك ولا غد، لا فجرَ ولا غروب. إنها دارُ الخلود، دارٌ لا تنقص فيها الأعمار ولا تُقاس فيها اللحظات.

قال الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ — كلمةٌ تهزّ القلب إن تدبّرتها.

فالآخرة ليست زمنًا يمتدّ، بل هي النتيجة النهائية لكل لحظةٍ عشتها في الدنيا.

في الجنة لا زمن، بل نعيمٌ لا ينقضي، وفي النار لا زمن، بل عذابٌ لا يفتر ولا يُخفّف.

قال تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.

أفلا نخاف من لحظةٍ نغفل فيها عن الله، وهي قد تكون فاصلةً بين الجنة والنار؟

الزمن عند الله: ليس كما نحسبه نحن، فالناس يعيشون على عقارب الساعة، لكن الله فوق الزمن والمكان، فهو الذي خلقهما ليبتلينا بهما.

قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (الحج: 47).

وإني قد قمتُ بتطبيق هذا القانون الزمني الإلهي على قانون “المقص” في الرياضيات، وهو اجتهادٌ شخصيٌّ؛ فإن صحَّ فمن الله، وإن كان غير ذلك فمن نفسي.

حيث افترضتُ أنك تعيش تسعين سنة، فإذا قسمتها على ألف سنة، ثم ضربتها في أربعٍ وعشرين ساعة،

فستكون النتيجة ساعتين وتسع دقائق وستًّا وثلاثين ثانية!

نعم، هكذا ستنظر في الآخرة إلى الزمن الذي عشته في الدنيا: لم يكن إلا ساعتين وبضع دقائق فقط !

(90÷1,000)×(24÷1)=2.16

إذن النتيجة واضحة جداً فتدبر. فما نراه طويلاً قد يكون لحظةً عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (يونس: 45).

وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (النازعات: 46).

وما نحسبه هيِّنًا قد يكون في ميزان الحقّ عظيمًا.

الزمن في القلب: حين يتّسع الشعور أو يضيق…..

كم من ساعةٍ في طاعةٍ مرّت كأنها دقيقة؟

وكم من دقيقةٍ في معصيةٍ كانت كأنها عامٌ ثقيل؟

السرّ أن الزمن يسكن في القلب قبل أن يُقاس بالساعة.

فالقلب المؤمن يملأ الزمن نورًا، والقلب الغافل يجعل الزمن ظلامًا مهما طال.

ولهذا قال أحد الصالحين: “ليس العجيب أن يطول العمر، العجيب أن تطول الغفلة.”

فيا أيّها الغافل… إنَّ الساعة قد اقتربت…..

يا من تؤجّل التوبة، وتظن أن العمر طويل، تذكّر أن الساعة لن تستأذن أحدًا.

لن يُمهلك ملك الموت حتى تُنهي مكالمةً أو تُوقّع عقدًا.

قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ — لا استثناء، لا تأجيل.

كلُّ ما حولنا ينادي: اقترب الأجل، اقترب الحساب.

لكنّ الناس في غفلتهم سادرون، كأنهم سيعيشون ألف سنة، ثم يُفاجَأون — كما فُوجئ من قبلهم — بأن الساعة دقّت، ولا رجعة بعدها.

أيها المؤمن… لا تخف من الموت، بل استعدّ له، الموت ليس نهاية المؤمن، بل بداية الراحة الكبرى.

قال رسول الله ﷺ: «تحفةُ المؤمن الموت». لأن الموت عند المؤمن انتقالٌ من دار التعب إلى دار الجزاء والرضا، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الرحمة.

فمن أحسن في زمنه القليل، أكرمه الله بزمنٍ لا ينتهي.

ومن أضاع وقته في لهوٍ ومعصية، استيقظ على خلودٍ لا راحة فيه.

خلاصة القول

الزمن أمانة، والعمر رأس مال، وكلّ يومٍ يمرّ إمّا سلعةٌ رابحة أو صفقةٌ خاسرة.

فيا من تؤمن بالله واليوم الآخر، أبشِرْ: كلّ لحظةٍ في طاعةٍ تُضاعف، وكلّ دمعةٍ من خشية الله تُرفع.

لا تخف من الموت، فإنه طريقُ المحبّين إلى ربهم.

أمّا من أنكر الله، وسار في غروره كفرعون، فليعلم أن الزمن سينقلب عليه، وسيُفتح له بابٌ لا مخرج منه، يوم يُقال له: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (المؤمنون: 108).

الزمن ليس ملكنا، بل هو طريقنا إلى الله.

فاحذر أن تمشي فيه إلى الهلاك، وابحث عن الطريق الذي يؤدّي إلى النور.

وتذكّر قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ (ق: 21).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى