من حكايات المدن.. مزرعة رزات السلطانية محطة سياحية تعكس أصالة الطبيعة وثراء البيئة العمانية
بشير بن سالم الريامي

تتجه البوصلة في عز الصيف كل عام الى محافظة ظفار وبالتحديد الى مدينة صلالة عروس مدن المحافظة حيث الخريف والجو الاستثنائي الذي يبهر الزوار والمقيمين ويسعدهم بكل تأكيد يجتمع الجميع الذين اتو من كل حدب وصوب في أحضان الطبيعة حيث الأشجار والمسطحات الخضراء والرذاذ وصوت المطر.
يقول الكاتب محمد منذر ورد من مجلة المشرق العربي في وصف صلالة “ينحني الضباب على كتف الجبل كوشاح من حرير ويغسل المطر أرواحنا كما تغسل الأم طفلها بالعاطفة الأولى ، هناك حيث يتنفس البحر أغنياته القديمة وتتفتح الأشجار بقلوب خضراء لا تعرف الذبول نكتشف أن الجمال ليس مشهدا فحسب بل هو طمأنينة تسكن الروح وحنين يأخذنا إلى أبعد من الطريق”.
زيارتي لمحافظة ظفار جاءت بصحبة أصدقاء القلم والكلمة الصادقة في ملتقى سنوي يجمعنا دائماً على المحبة والالفة اجتمعنا سوياً في جواستثنائي تناغمت فيه كل صفات الجمال وفي هذه الزيارة آثرت ان اكتب بعض السطور واخذ منحنى اخر في وصف هذا المكان الرائع في واحدة من ابرز الحكايات التي تسطر في مدينة صلالة في زاوية رائعة من الزوايا الكثيرة هنا ومتابعة لمستجدات متتالية متسارعة تستحق المواكبة والحديث عنها.
مزرعة رزات السلطانية حكاية…
حكاية جديدة تسطر كلماتها في مكان استثنائي وبمسمى سلطاني يحمل صورة مغايرة لمعنى الجمال الذي يأخذ منحى وزوايا مختلفة. يعود تاريخ انشاء هذه المزرعة السلطانية الى عام ١٩٥٣ وتعتبر من أوائل المشاريع الزراعية والحيوانية في سلطنة عمان حيث تمتد على مساحة تزيد عن الالف فدان ، وتتنوع أنشطتها بين زراعة المحاصيل وإنتاج الأعلاف وتربية المواشي وتصنيع منتجات الألبان.
وبالرغم من اسهامها في رفد الأسواق المحلية بالمنتجات الزراعية والحيوانية فهي أيضا توفر قاعدة علمية وتجريبية لتطوير القطاع الزراعي والحيواني من خلال بنك المختبر الجيني الذي يعمل فيه كادر عماني مؤهل ومتخصص، حيث يتم فيه العمل على الحفاظ على عدة أصناف من الموز من بينها أصناف “ويليامز” و”كاتو” ، إضافة إلى صنف جديد استحدث بعد أبحاث وتجارب استمرت سبع سنوات كاملة. هذا الصنف من الموز حظي بتسمية سامية من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – ليحمل اسم “موز رزات”،
وهو إنجاز علمي وزراعي يعكس العناية السامية بتطوير القطاع الزراعي والاهتمام بالابتكار في هذا المجال. داخل المزرعة هناك حقول زراعية عديدة يشاهدها الزائر المتعطش لمعرفتها تستخدم فيها أنظمة الري الحديثة وتزرع فيها اصنافاً مختلفة من الذرة الشامية ونبات ذرة الدخن وذرة الدخن الرفيع وحقول أخرى يزرع فيها الخضروات والفواكه مثل الخيار والخس والطماطم واصنافاً أخرى وكذلك النارجيل والفافاي والموز وغيرها الكثير.
في هذه المزرعة أيضا تستطيع ان تشاهد مجموعة من الأشجار المعمرة والتي يتميز بها إقليم محافظة ظفار وهي أشجار التبلدي والتي تشكل جزءًا من هوية هذا المكان وهذه الأشجار تعتبر من الأشجار المعمرة حيث يزيد عمر البعض منها على المائة عام كما تعد ايضاً من الأشجار النادرة في المنطقة
، وهناك أيضا أشجار النارجيل والتمر الهندي وأشجار الصبار التي تدخل منتجاتها في الصناعات التقليدية وتستخدم ثمارها في الأطعمة والطب الشعبي. ويمكن للزائر ان يتعرف على السلالة البريطانية من الأبقار المعروفة باسم “جيرسي”، التي تتميز بقدرتها العالية على إنتاج الحليب الغني بالدهون والبروتين.
وقد تم توفير البيئة الملائمة والحظائر المتخصصة التي تُصنف بحسب المواليد والحوامل والأبقار الحلوب، ويشرف على هذه العمليات فريق بيطري متخصص يتابع صحة الأبقار من خلال العيادة البيطرية المتكاملة التي تقدم الرعاية والتطعيمات الدورية.
وكزائر تتوقف عند محطة استراحة زوار المزرعة حيث تستطيع تتناول بعضا من إنتاج المزرعة من الفواكه والخضروات وتتعرف ايضاً على بعض منتجات مصنع الألبان الذي ينتج الحليب الطازج كامل الدسم ومنخفض الدسم، والروب، والزبدة، والقشدة، إلى جانب الآيسكريم بمختلف النكهات المحلية والعالمية.
مزرعة رزات السلطانية حكاية جميلة تحكى بتفاصيلها للاجيال وتمثل نموذجًا وطنيًا رائدًا في تطوير القطاع الزراعي والحيواني وتعزيز الأمن الغذائي وتسهم ايضا في ترسيخ مكانة محافظة ظفار كمصدر للمنتجات الطبيعية ذات القيمة الغذائية العالية، فيما تساهم عيون رزات العذبة في إمداد المزروعات بالمياه وتوفير بيئة خضراء متكاملة تعكس توازن الإنسان مع الطبيعة فضلًا عن كونها وجهة معرفية وسياحية تستقطب المهتمين بالتنمية الزراعية.
المزرعة تمثل نموذجًا سياحيًا وزراعيًا يجمع بين المتعة والاستفادة، فهي ليست فقط مكانًا للزيارة بل أيضًا مساحة خضراء واسعة تعكس روح العطاء والهوية المحلية وتستحق أن تكون ضمن أبرز المحطات السياحية للسائح والزائر في محافظة ظفار، لتبقى رزات شاهدة على جمال المكان وكرم الإنسان العُماني.



