الثقافي

ان لم تخش العواقب.. إفعل ما تشاء

صالح بن سعيد الحمداني

إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستح فاصنع ما تشاء بين الكلمات القليلة تختبئ أعظم المعاني وبيت الشعر هذا – المنسوب للشاعر ابي تمام – يحمل من الحكمة ما يكشف أبعادًا نفسية وأخلاقية وسلوكية قد تُهمل في زحمة الحياة، فما الذي يقوله لنا هذا البيت؟ وماذا يعني في واقعنا المعاصر؟ “إذا لم تخش عاقبة الليالي، ولم تستح فاصنع ما تشاء”

ليست هذه دعوة مطلقة للفعل بل تحذير صارخ مغطى بثوب البلاغة وكأن الشاعر يقول لنا “إن كنت لا تخاف من العواقب ولا تستحي من الناس أو من ضميرك فافعل ما شئت”، ولكن حذارِ لأن من لا يخشى العواقب ولا يتحلى بالحياء قد يهوي في دروب مظلمة.

يرتكز هذا البيت على قوتين رادعتين للسلوك السيئ أولهما الخوف من العاقبة أي من نتائج الأفعال في المستقبل سواء أكانت دنيوية (كردة فعل المجتمع أو القانون) أو أخروية (حساب الله).

الحياء وهو شعور داخلي ينشأ من الضمير أو الوازع الأخلاقي ويمنع الإنسان من التعدي أو الانحدار، وهاتان القيمتان هما أساس الأخلاق فإذا انعدمتا أُطلق العنان للنفس الأمّارة بالسوء وظهر الفساد في الأرض.

في زمننا هذا يرفع كثيرون شعار “أنا حر” ويستخدمونه كغطاء لفعل أي شيء دون حساب أو مراعاة لقيم المجتمع أو لمشاعر الآخرين، ولكن بيت الشعر هذا يرد عليهم بحكمة “الحرية بلا وعي ولا حياء ليست حرية بل فوضى”.

نرى نماذج من هذا المعنى في حياة الشعوب فحين لا تخشى الأنظمة عواقب الظلم وحين لا تستحي من استباحة كرامة الناس فإنها تُمعن في القهر والاستبداد معتقدة أن “لا أحد سيحاسبها”، ولكن السنن التاريخية علمتنا أن لكل ظالم نهاية ولكل طغيان سقوط.

وكذلك في العلاقات الاجتماعية حين يغيب الحياء عن النفوس وتختفي الرقابة الذاتية يسود الكذب وتنعدم الثقة ويتحول المجتمع إلى غابة يحكمها من يملك القوة لا من يملك الخُلق.

وعندما لا يخلص الموظف والمسؤول في واجبه وخدمة وطنه تضيع الحقوق ويقل الإخلاص وتذهب المرؤة ويضيع الوطن.

ما أحوجنا اليوم إلى ترسيخ قيم الحياء والمساءلة الذاتية في الأجيال الناشئة، فالحياء ليس ضعفًا كما يتوهم البعض بل هو حصانة داخلية تمنع الإنسان من الانزلاق، والخوف من العواقب لا يعني الجبن بل هو تفكير مسؤول وناضج يتوقع النتائج قبل اتخاذ القرار.

البيت ليس دعوة للفعل بل اختبار للنفس

هل أنت ممن يفعل ما يشاء لأنه لا يخاف العواقب ولا يخجل من أحد؟ أم أنك من أولئك الذين يحسبون لكل خطوة حسابًا ويزنون تصرفاتهم بميزان الضمير؟

في ختام حديثنا من أراد أن “يصنع ما يشاء” حقًا فعليه أولًا أن يخاف الله، ويستحي من الناس ويؤمن أن لكل فعل حسابًا، وإلا فإن ما يشاء قد يهدم ما بناه ويدمر ما حلم به ويجر عليه العواقب التي لا تُحتمل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى