
في الوسط الفني، “الغيرة” ليست ضيفًا عابرًا، بل ضيفًا مقيمًا. لكنها، كغيرها من المشاعر، تحمل وجهين:
وجهٌ يدفع للإبداع، وآخر يحرق صاحبه ومن حوله.
ومع الأسف، ما نراه يتكرر مرارًا وتكرارًا في الساحة الفنية – وخاصة المسرحية – هو الوجه القبيح للغيرة، تلك التي تتحول إلى “فُجر في الخصومة”، وعداءٍ شخصي، ومحاولاتٍ متعمّدة لعرقلة مسيرة الآخرين.
لكن السؤال: هل الغيرة الفنية قد تصل إلى حد الانتقام؟!
نعم، وبكل أسف.
فهناك من لا يطيق أن يرى غيره يسطع أو يلمع، فيتحول من زميل إلى خصم، ومن فنان إلى معرقل، ومن منافس إلى محارب.
وتبدأ الحرب “غير المعلنة”: تسريبات، ثم همز ولمز، ثم تحالفات خفية لإقصاء فنان موهوب فقط لأنه بدأ “يسرق الضوء” من نجمٍ قديمٍ بدأ يشعر بانحسار بريقه.
لماذا تحدث هذه الغيرة؟
لأن الغيرة شعور إنساني فطري. لكنها، حين تسكن نفسًا ضعيفة، تتحول إلى مرض.
أما الموهوب الواثق من نفسه، فإنه يغار بإيجابية: يجتهد، يبدع، يجدد، ويعمل بصمت.
بينما الفارغ، يغار بحقد: يهدم، يعطّل، يوشي، ويتفرغ لتصفية الحسابات.
فالغيرة عند البعض ليست فنية، بل مرضية.
وتكون أكثر وضوحًا بين الممثلين، لأن المسرح يسلّط الضوء على “الفرد”، وهنا تظهر التفاوتات.
الممثل الحقيقي حين يغار من زميله، يستنفر أدواته، ويشحذ قدراته ليبدع أكثر.
أما من جاء بصدفة، أو محاباة، أو شللية، فإنه يشعر بالتهديد، فيبدأ بتشويه من تفوّق عليه بدلاً من تطوير نفسه.
وهنا نصل إلى المعادلة القاتلة:
فنان ضعيف + غيرة شرسة + حب للظهور = مشروع عدو لكل مبدع.
وحين تتحول الغيرة إلى مؤامرات، وتكتلات، وتصفية حسابات، فإن الخاسر الأول هو “الحركة المسرحية” نفسها.
فالساحة الفنية تتحول إلى “حلبة صراعات”، ويتحول الفن إلى لعبة “كسر عظام”، ويختفي الإبداع، ويُقتل الطموح، وتخسر الساحة فنانًا كان قادرًا على العطاء.
إلى كل من يظن أن الآخرين هم سبب إخفاقاته، نقول:
الإخفاق الفني لا يأتي من الخارج، بل من الداخل.
فبدلاً من أن “تنتقم” من زميلك، اسأل نفسك:
• ماذا قدّمت أنت؟
• هل تطوّرت؟
• هل تحترم جمهورك؟
• هل تحب الفن حقًا، أم تحب الشهرة والمال فقط؟
• وإذا حطّمت الآخر، هل تملك القدرة على “صنع” شيء حقيقي بعده؟
أم أن نجاح غيرك كان هو مرآتك التي كشفت ضعفك؟
أيها الفنان الذي تحارب زميلك في الخفاء، تذكّر:
ربما تحتاج إليه يومًا. وربما تكون سببًا في تدمير حلمٍ لن يتكرر.
ابتعد عن الغيرة السامة، وتعلّم أن المسرح لا يسع الأحقاد، بل يسع الموهبة، والصدق، والتجديد.
وإن لم تكن قادرًا على البناء، فلا تكن سببًا في الهدم.



