
في كل موسم مسرحي، “نفاجأ” بتكرار الوجوه ذاتها في أدوار البطولة، حتى يكاد المتابع أن يتوقع توزيع الأدوار قبل أن يرى العرض. هذه الظاهرة أصبحت شبه اعتيادية، حيث يعتمد كثير من المخرجين على مجموعة محددة من الممثلين المعروفين لديهم مسبقًا، مقابل تهميش الممثلين الجدد أو من لم يسبق لهم العمل معهم، مهما امتلكوا من موهبة واستعداد.
غالبًا ما يُحصر هؤلاء الجدد في أدوار ثانوية هامشية، لا تتيح لهم إثبات قدراتهم أو الظهور الحقيقي على خشبة المسرح. وهنا يبرز سؤال كبير: هل فقد المخرجون ثقتهم في أنفسهم؟ أم في قدرة الممثلين الجدد على التفاعل معهم؟
المخرج الحقيقي، الخلاق، حين يتسلم مجموعة من الممثلين – سواء كانوا محترفين أو هواة – يجب أن يتعامل معهم جميعًا كعجينة صلصال قابلة للتشكيل. لا فرق لديه بين نجم مألوف ووجه جديد، لأنه ببساطة واثق من أدواته الإخراجية، ويملك القدرة على النحت في الطاقات البشرية وصقلها وتحويلها إلى أداء حي ونابض.
أما المخرج الذي لا يمنح الممثل الجديد فرصة حقيقية، فإما أنه لا يملك الوقت الكافي للتدريب، أو يفتقر إلى الرغبة في العمل على تطويره، أو ببساطة يخشى المغامرة، فيستسهل الاعتماد على من يعرفهم مسبقًا. وهذا – غالبًا – لا يحدث إلا في المسرح التجاري، الذي يضع اسم النجم فوق جودة الأداء.
في المقابل، نتوقع من العروض النخبوية والواعية أن تفرز مخرجًا حقيقيًا، صانع عرض بحق، لا مجرد مكرر لتجارب محفوظة. يتوجب على هذا المخرج أن يُتعب نفسه على الممثلين، وأن يقدّم وجوهًا جديدة، ويخلق فرصًا، ويكسر النمط السائد في توزيع الأدوار. فالمسرح، في جوهره، ليس فقط منصة للعروض، بل فضاء لاكتشاف الطاقات المسرحية الجديدة.
المشكلة ليست فقط في غياب العدالة في توزيع الأدوار، بل في استمرار هذا “النهج”، الذي قد يؤدي مع مرور الوقت إلى مأزق حقيقي: وجوه مكررة، أداء متشابه، غياب البدائل، وفراغ في الأجيال الجديدة. الشلة التي يعتمد عليها المخرج اليوم، ستصبح عبئًا غدًا، إن لم تتجدد الساحة بوجوه جديدة تخوض التجربة وتنضج.
لا يهم إن كان الممثل الجديد لا يُجيد كل تقنيات الأداء، بل الأهم: هل لديه الاستعداد ليتعلم؟ إذا كانت الإجابة نعم، فعلى المخرج أن يمد له يده، ويستثمر في موهبته، ويمنحه المساحة الكافية ليخطئ ويتعلم وينضج. لا يصح أن يبقى الممثل الجديد حبيس الأدوار الصغيرة حتى يفقد الحماس وينسحب من الساحة الفنية كليًا.
نحن بحاجة إلى مخرج يؤمن أن المسرح مشروع إنساني لا يكتمل إلا حين نكسر النمط، ونتحرر من “شلة البطولة”، وندرك أن كل موهبة – إذا ما أُعطيت الثقة – قادرة على التألق



